بقلم: المستشار محمد صالح الملكاوي
في منطقةٍ تعصف بها الانقسامات الطائفية، وتُعاد فيها صياغة الهويات على أسس دينية حادّة، يبرز الأردن كنموذج استثنائي لا يُقاس بحجمه الجغرافي، بل بعمق تجربته الإنسانية وقدرته على إعادة تعريف العلاقة بين الدين والمجتمع. وفي قلب هذه التجربة، يقف المسيحيون في الأردن لا بوصفهم أقلية تبحث عن الحماية، بل كشريك أصيل في صياغة الهوية الوطنية، ضمن معادلة فريدة نجحت في تحويل الدين من عامل انقسام إلى ركيزة وحدة، ومن احتمال صراع، إلى فرصة تماسك حضاري.
لم يكتفِ الأردن بإدارة التعدد الديني، بل ذهب أبعد من ذلك حين حوّله إلى ثقافة جامعة. ومن أبرز تجليات هذه الخصوصية، قرار توحيد الأعياد المسيحية بين الكنائس الشرقية والغربية في الأردن عام 1975، وكان الأردن سبّاقاً في هذه المجال، وهو قرار يبدو دينياً في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره رؤية وطنية أردنية عميقة. فلم يكن الهدف مجرد تجاوز اختلاف التقويمات، بل كان إعلاناً ضمنياً بأن الوحدة المجتمعية تسمو على الاختلافات الطقسية، وأن الفرح يجب أن يكون جامعاً لا مُجزّأ. وهكذا تحوّلت الأعياد المسيحية إلى مناسبات وطنية يتشاركها الجميع، مسلمين ومسيحيين، في مشهد يعكس نضجاً مجتمعياً نادراً، حيث لا تتوحّد الأيام فقط، بل تتوحّد القلوب أيضاً.
في الأردن، لا يُنظر إلى المسيحي بوصفه "الآخر"، بل يُنظر إليه كجزء من "الذات الوطنية" الأردنية. فالمعادلة التقليدية التي تفصل بين "نحن" و"هم" تكاد تكون غائبة، لتحلّ محلها حالة من الاندماج العميق. المسيحي الأردني يعرّف نفسه أردنياً أولاً، ويعيش ضمن البنية الاجتماعية ذاتها التي يعيشها المُسلم، من حيث الانتماء العشائري والعادات والتقاليد والتحالفات الاجتماعية. وهنا تتلاشى الفوارق النظرية أمام واقع عملي يؤكد أن المجتمع الأردني ليس مجموعة مكوّنات طائفية مُتجاورة، بل نسيج واحد متداخل ومتماسك.
وهذا ما يقود إلى فهم أعمق لطبيعة العلاقة بين الإسلام والمسيحية في الأردن. فنحن لا نتحدث عن "تعايش"، لأن التعايش يفترض وجود مسافة بين طرفين، بل عن "العيش"، وهو اندماج ثقافي حقيقي، يمكن وصفه بثقافة "إسلامية – مسيحية" و "مسيحية – إسلامية" في آنٍ واحد. فالمسلم يهنئ المسيحي بأعياده باعتبارها جزءاً من ثقافته، والمسيحي يعيش أجواء رمضان بروح المشاركة والانتماء، فيما تبقى العادات الاجتماعية المشتركة في الأفراح والأتراح والأحزان إطاراً جامعاً يتجاوز الانتماءات الدينية الضيقة.
إن هذه الحالة لا يمكن تفسيرها فقط بمنطق التسامح، لأن التسامح في كثير من المجتمعات يكون مجرد "هدنة اجتماعية" مؤقتة، بل ما نشهده في الأردن هو أقرب إلى "تحالف حضاري غير مُعلن"، تأسس عبر التاريخ وترسّخ بدعم الدولة وتعمّق داخل المجتمع. فالمسيحيون في الأردن ليسوا طارئين على الجغرافيا، بل هم أصول تاريخية ممتدة، وقد شاركوا في بناء الدولة الأردنية الحديثة، وكانوا حاضرين في مؤسساتها السياسية والاقتصادية والثقافية، دون أن يُنظر إليهم يوماً كملف "أقليات"، بل كشركاء في الهوية الوطنية والمصير الواحد.
وسرّ نجاح هذه التجربة الأردنية لا يكمن فقط في إدارة التنوع، بل في إعادة تعريف العلاقة مع الدين ذاته. فالأردن لم يوظّف الدين كأداة صراع أو وسيلة للهيمنة، بل تعامل معه كقيمة أخلاقية تُعزّز الوحدة وتدعم الاستقرار. ولقد نجح في الفصل بين العقيدة كإيمان، والدين كأداة سياسية، وهي معادلة فشلت فيها كثير من الدول التي تحوّل فيها الدين إلى مشروع انقسام. أما في الأردن، فقد أصبح الدين مشروع تماسك وطني، يعيد إنتاج الهوية الجامعة بدلاً من تفكيكها.
لهذا يُمكنني القول كرئيس لوِحدِة ثقافة السلام في الشرق الأوسط، بأن تجربة المسيحيين في الأردن، تُقدّم أنموذجاً متقدماً في فهم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، وتؤكد بأن الوحدة الوطنية لا تُبنى رغم الاختلاف، بل من خلاله. وفي زمنٍ تتصدّع فيه المجتمعات تحت وطأة الانقسامات، يُقدّم الأردن درساً عميقاً مفاده أن التسامح الحقيقي لا يقوم على مجرد القبول بالآخر، بل على الإيمان العميق بأن هذا الآخر هو جزء منك. وهنا تتجلّى الحقيقة الأهم: أن هذا الوطن لم يُبنَ على دينٍ واحد، بل بُني ويُبنى على روحٍٍ واحدة … روحٍ تؤمن بأن الإنسان قبل كل شيء، وأن المحبة هي القاسم المشترك الأعظم بين الجميع.
وخِتاماً، تتجلّى خصوصية الأردن في هذه الحالة الفريدة التي يلتقي فيها المسلمون والمسيحيون لا عند حدود التعايش، بل في عُمق الشراكة الوطنية التي صاغتها قيادة هاشمية حكيمة، آمنت بأن قوة الدولة تُبنى بوحدة أبنائها لا بتباينهم. ولقد نجحت بحمد الله القيادة عبر نهجها الراسخ، في ترسيخ معادلة أخلاقية وسياسية متقدمة، جعلت من الدين قيمة جامعة لا أداة فُرقة، ومن المواطنة هوية عليا تتقدّم على كل الهويات الفرعية. وهكذا، لم يكن اندماج المسلمين والمسيحيين وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية قيادية آخت بين الجميع تحت مظلة الوطن، وأصبح هذا التآخي الوطني عنواناً لرسالة واحدة، مفادها أن الأردن ليس مُجرّد جغرافيا، بل وطنٌ إنساني عميق، قوامه الاحترام والمحبة، وغايته بناء أنموذج يُحتذى في عالم يبحث عن معنى حقيقي للعيش المشترك.
الملكاوي يكتب : مسيحيو الأردن ... حيث يوحدهم الوطن والتاريخ والأعياد
الأحد - pm 04:50 | 2026-04-12
22 الإعلامي -






