×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف

العساف يكتب : العنف الاسري واقع وتحديات

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : م. ابراهيم العساف - رئيس فرع عمان/ حزب الاصلاح

بالرغم ان ظاهرة العنف الأسري في الأردن مجرد حالات فردية معزولة،  الا انها اصبحت مقلقة تتسلل إلى عمق المجتمع، وتظهر آثارها خلف أبواب المنازل حيث يُفترض أن يسود الأمان والرحمة. وفي واحدة من أبشع الصور التي هزّت الضمير العام مؤخرًا، جاءت الجريمة التي شهدتها محافظة الكرك حين أقدم أب على قتل أطفاله الثلاثة، في حادثة صادمة لم تترك مجالًا للشك بأن الخلل لم يعد محدودًا أو طارئًا، بل يتطلب مواجهة حقيقية وشاملة. هذه الجريمة لم تكن مجرد فعل إجرامي معزول، بل انعكاسًا مأساويًا لتراكمات نفسية واجتماعية واقتصادية قد تصل بالإنسان إلى فقدان السيطرة والانحدار نحو العنف بأبشع أشكاله، لتتحول الأسرة من مصدر حماية إلى بيئة خطر.
وعند النظر إلى الواقع بشكل أوسع، نجد أن مثل هذه الجرائم ليست الأولى، فقد شهد المجتمع الأردني خلال السنوات الماضية حوادث متعددة من العنف داخل الأسرة، تنوعت بين قتل زوجات نتيجة الاعتداء المتكرر، وجرائم بحق أخوات على خلفيات اجتماعية مرفوضة، إضافة إلى حالات تعذيب قاسية انتهت بالموت داخل المنزل، ما يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد حادثة واحدة، وأن هناك نمطًا متكررًا يستدعي الوقوف عنده بجدية. وتشير المؤشرات إلى ارتفاع ملحوظ في حالات العنف الأسري، ، وهو  يعكس جانبًا من الواقع، بينما يبقى جزء كبير من هذه الحالات طيّ الكتمان بسبب الخوف أو العيب أو ضعف الوعي، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشكلة ويؤخر معالجتها.
تتداخل في هذه الظاهرة مجموعة من الأسباب، أبرزها الضغوط الاقتصادية التي تثقل كاهل الأسر، والبطالة التي تولد الإحباط، إلى جانب ضعف الوعي التربوي، وغياب مهارات إدارة الخلافات داخل الأسرة، فضلًا عن وجود اضطرابات نفسية غير معالجة، وثقافة مجتمعية في بعض الأحيان تبرر العنف أو تتغاضى عنه، ما يفتح الباب لتصاعده تدريجيًا. ومع غياب التدخل المبكر، تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبيرة، وقد تنتهي بكارثة كما حدث في جريمة قتل الأطفال الثلاثة، التي أعادت طرح تساؤلات مؤلمة حول دور المؤسسات والمجتمع في الوقاية قبل وقوع الجريمة.
ولا تقف آثار العنف الأسري عند حدود الضحية المباشرة، بل تمتد لتصيب بنية المجتمع ككل، إذ تؤدي إلى تفكك الأسر، وخلق أجيال تعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، وقد تعيد إنتاج العنف في المستقبل، ما يشكل دائرة مغلقة يصعب كسرها دون تدخل حقيقي. إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في صمتها أحيانًا، وفي اعتياد البعض عليها أحيانًا أخرى، حتى تصبح جزءًا من واقع لا يتم التصدي له بالقدر الكافي.
إن مواجهة العنف الأسري في الأردن لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية واجتماعية، تبدأ من تعزيز الوعي بثقافة الحوار والاحترام داخل الأسرة، مرورًا بتمكين الجهات المختصة من التدخل السريع والحازم، ووصولًا إلى تشديد العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا. كما أن كسر حاجز الصمت وتشجيع الإبلاغ عن حالات العنف يمثلان خطوة أساسية في الحد من تفاقمها. فالجريمة التي هزّت الكرك ليست مجرد حادثة عابرة، بل رسالة قاسية تؤكد أن حماية الأسرة تعني حماية المجتمع بأكمله، وأن أي تهاون في هذا الملف قد يدفع ثمنه الأبرياء من داخل البيوت نفسها.