بقلم: د. محمد نادر سلعوس / معلم تربية إسلامية وباحث في الشأن الأسري / دكتوراة في القضاء الشرعي – جامعة العلوم الإسلامية العالمية
ليست كل الأزمات الأسرية صاخبة أو معلنة، فهناك بيوت تسير في ظاهرها بهدوءٍ تام لا خلافات حادة، ولا خصومات أمام الآخرين، ولا طرق لأبواب المحاكم، لكن هذا السكون الظاهري كثيرًا ما يخفي وراءه تعبًا داخليًا، وعلاقة زوجية فقدت روحها، واستمرارًا بلا حياة.
في هذا النوع من البيوت، قد يستمر الزواج شكليًا، ويتقاسم الزوجان تفاصيل المعيشة، ويؤدي كلٌ منهما واجباته الأسرية، لكن المودة التي هي جوهر العلاقة تكون قد تراجعت أو غابت، وما يدفع الزوجين إلى البقاء ليس الرضا ولا القناعة، بل الخوف من الانفصال، أو الحرص على الأبناء، أو الاعتقاد بأن تحمّل الواقع أقل كلفةً من كسر الإطار القائم.
المودة ليست ترفًا
التصور الإسلامي لم ينظر إلى المودة والرحمة على أنهما كماليات يمكن تجاوزها، بل جعلهما الأساس الذي تُبنى عليه العلاقة الزوجية، قال تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وحين تتآكل المودة، يبقى الزواج صورة بلا مضمون، وشكل بلا سكن، فتتحول العلاقة إلى تعايش قسري يفتقد المعنى الإنساني للشراكة.
الصمود القسري وآثاره الصامتة
عدد غير قليل من الأزواج يقعون في حالة يمكن وصفها بـ “الصمود القسري”، حيث تُستكمل الحياة المشتركة بدافع الخوف لا القناعة، وتُدار العلاقة بأقل قدر من التفاعل، دون التفات حقيقي إلى ما يتركه هذا النمط من آثار بعيدة على نفوس الأبناء.
قد يبدو هذا الصمود مخرجًا آمنًا، لكنه في العمق يرسّخ نموذجًا أسريًا باهتًا، ينشأ فيه الأبناء وهم يشاهدون علاقة بلا دفء، فيتشكل وعيهم على أن الزواج عبءٌ ثقيل، لا مساحة طمأنينة وسكن. والخطر هنا لا يكمن في الخلاف الظاهر، بل في الرسائل الخفية التي تُغرس يومًا بعد يوم.
بين القضاء والإصلاح
من واقع التجربة العملية في قضايا الأسرة، نادرًا ما يبدأ النزاع عند عتبة المحكمة. أغلب القضايا تكون ثمرة سنوات من الصمت، وضعف الحوار، وغياب المعالجة المبكرة، حتى يصل الخلاف إلى مرحلة يصعب فيها الإصلاح.
القانون، مهما اتسعت أدواته، لا يستطيع أن يفرض مودة أو يصنع انسجامًا، فهو وُضع لتنظيم الحقوق عند انهيار العلاقة، لا لإعادة بنائها، ولهذا قدم المنهج القرآني مسار الإصلاح قبل الخصومة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، ففي ذلك دعوة واضحة للتدخل العاقل قبل استحكام النزاع.
لا الطلاق المتعجل حل… ولا البقاء المؤلم
حين تتراجع المودة، يحتار كثير من الأزواج بين خيارين متناقضين: طلاق سريع يتجاهل العواقب، أو بقاء طويل يستنزف النفوس، بينما يفتح التصور الشرعي والإنساني بابًا ثالثًا أكثر اتزانًا، يقوم على محاولة الإحياء قبل الحسم.
فالمودة ليست حالة جامدة لا تتغير، بل قد تخبو ثم تعود، إذا وُجد حوار صادق، ومراجعة لمفاهيم الزواج، وتصحيح لأنماط التعامل الخاطئة، وكثير من حالات الفتور ليست نهاية طبيعية، بل نتيجة تراكم إهمال، وسوء تواصل، وضغوط لم تُدار بوعي.
كما أن اللجوء إلى الإرشاد الأسري أو أهل الخبرة ليس ضعفًا، بل تعبير عن تحمل المسؤولية، وأخذ بالأسباب التي دعت إليها الشريعة، والمصارحة المتزنة، حين تُمارس بلا اتهام، قد تعيد للعلاقة قدرًا من التفاهم يمهد لإصلاح ممكن.
أما إذا استُنفدت وسائل الإصلاح، وأصبح الزواج مصدر أذى نفسي دائم، فإن الفقه الإسلامي لا يفرض بقاءً قهريًا، بل يفتح باب فراقٍ راشد، تُصان فيه الحقوق، وتُخفف فيه الخسائر، وتُراعى فيه مصلحة الأبناء.
خاتمة
الزواج قد يستمر بلا مودة، لكنه لا يمرّ بلا أثر. والحكمة ليست في طول البقاء داخل العلاقة، بل في جودة الحياة التي تعاش تحت سقفها، فإما إصلاح ناضج يعيد المعنى، أو انفصال مسؤول يحفظ الكرامة ويمنع مزيدًا من النزيف الصامت.





