×
آخر الأخبار

المستريحي تكتب : خطر التعفن الدماغي : كيف نصنع جيل مشتت الانتباه

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : نجود فراس المستريحي / ماجستير تربية خاصة للطفولة

هل اصبحنا عبيداً للشاشات ؟

جميعنا نستهلك  المحتوى الرقمي حتى اصبح جزءًا يوميًا من حياتنا، نتنقل بين المقاطع القصيرة والمحتوى السريع دون وعي حقيقي بحجم تأثيره على عقولنا ، ويكون هذا النوع من المحتوى يشبه الوحل ، فهو  كثيف وسريع ولزج ذهنيًا، يستهلك انتباه الإنسان ويترك أثرًا من التشتت والإرهاق الذهني الذي يصعب على الدماغ التخلص منه بسهولة والسر هنا لا يكمن في أن المحتوى "جذاب أو خارق الجودة"، بل في طريقة تلاعب الخوارزميات ببيولوجيا الدماغ، و تحفيز المخ على إفراز شحنات هائلة من الدوبامين.

وفي السنوات الأخيرة بدأ يظهر مصطلح “التعفن الدماغي الرقمي” لوصف التأثير السلبي للإفراط في استهلاك المحتوى السريع على التركيز والانتباه والسلوك. وإذا كان البالغون أنفسهم قد أصبحوا يلاحظون كيف تسرق المقاطع القصيرة قدرتهم على الصبر والتركيز والانتباه، فكيف سيكون تأثيرها على اطفالنا الصغار الذين لا تزال أدمغتهم في مرحلة النمو والتطور؟

يزداد القلق بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بأطفال اضطراب طيف التوحد، نظرًا لحساسيتهم العالية للمثيرات البصرية وصعوبات الانتباه والتواصل والتفاعل التي قد يعاني منها بعضهم،لكن سؤالنا الحقيقي: كيف اصبحت المقاطع السريعة والعبثية ان تسيطر على انتباهنا؟ والاخطر من ذلك كيف ممكن لهذا النوع من المحتوى التافه أن تتحول تدريجيًا إلى وسيلة تمرر أفكارًا عن العنف أو السياسة داخل قالب طفولي يبدو بريئاً؟

ظهر مصطلح “التعفن الدماغي” (Brain Rot) لأول مرة عام 2007، وانتشر لاحقًا بصورة واسعة خاصة بين جيل Z، حتى اختارته جامعة اكسفورد  كلمةً لعام 2024، بعد تزايد استخدامه لوصف التأثيرات الذهنية والنفسية للمحتوى الرقمي السريع والمفرط. كما حذر منه البابا الفاتيكان الراحل في إحدى خطبه عام 2025، معتبرًا أنه من المخاطر الفكرية التي ينبغي الانتباه لها في العصر الرقمي.

وعرفت جامعة أكسفورد المصطلح بأنه “تدهور الحالة الذهنية والفكرية نتيجة الاستهلاك المفرط لمحتوى تافه أو غير محفز للتفكير”. ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن “التعفن الدماغي” ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، بل مصطلح شائع يصف حالة من التشتت الذهني وضعف التركيز الناتجة عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع.

قد يتساءل البعض: كيف لمحتوى بهذه السطحية أن يقود إلى مواضيع خطيرة كالقتل، الإرهاب، والسياسة؟
حسب المصادر، فإن محتوى التعفن الدماغي، بقدر ما يبدو مسلياً، يمتلك القدرة على فتح أي موضوع وجذبك إليه، حتى لو كان من المحرمات (Taboos). والسر يكمن في استخدام لغة (Algospeak)

في هذه السنة، انتشر ما يعرف بـ "محتوى التعفن الدماغي الإيطالي"، وأبطاله شخصيات كرتونية غريبة بالذكاء الاصطناعي ذات أسماء إيطالية ساخرة. ظهرت بينها شخصية تمساح طائر يلقي القنابل في غزة وفلسطين، ولا يؤمن بالله ويحب الدمار. هنا تحققت الشروط كاملة: محتوى سريع، جذاب، طفولي المظهر، لكنه يخفي في باطنه جمل سخرية سوداء متعلقة بالحرب والقتل.

هذا يتقاطع مع ظاهرة قديمة تعرف بـ Elsagate حيث تدمج شخصيات محببة للأطفال (مثل إلسا من فيلم Frozen) في سياقات دموية أو فضائح سياسية (تشبيهاً بفضيحة ووترجيت التاريخية). لا يهم المنطق هنا، المهم أن ينجذب المخ للغرابة ويستمر في المشاهدة حتى النهاية.


الانسان قبل عصر الإنترنت لم يكن يعاني من هذا؛ فلماذا توغل "التعفن الدماغي" في جيل (Gen Z) تحديداً؟
لأن هذا التعفن وجد ظرفاً زمانياً ومكانياً مثالياً: (التيكتوك، الانستغرام، وفيسبوك)؛ تطبيقات سريعة، ذات مقاطع قصيرة، مصممة هندسياً لتقود إلى المرض الأشد: االإدمان. وبما أن أكثر مستخدميها من الأطفال والمراهقين الذين لا تزال أدمغتهم في طور النمو، أصبح من السهل توجيه سلوكياتهم، بل ودفعهم أحياناً نحو العنف أو الخروج عن القانون.

كما ان بعض الناس تراه مثله مثل المخدرات تساعد عقل المراهق المتوتر القلق المكتأب انه ببساطة يتوقف عن التفكير خاصاً انه جئنا في فترة زمنية محاصرين فيها طوال الوقت لدينا توقعات و موجودين على تطبيقات تدمر صحتنا النفسية فبالتالي نحن محتاجين لهذه التطبيقات على الاقل لتعوضنا عن عدم التفكير.

حتى لو قيل إن هذا المحتوى خالي من الأيديولوجيا، تكمن خطورته في أنه يغير نظرتك للعالم ذاته؛ يجعلها نظرة فاضية، مشتتة، وعدمية، ويسلبك حقك في التعبير عن نفسك بشكل متماسك.

السبب النفسي وراء نجاح هذا المحتوى هو رغبة العقل في "إيقاف التفكير" للهروب من قلق الواقع:
42% من جيل Z تم تشخيصهم باضطرابات الصحة النفسية (القلق والاكتئاب).
70% منهم يشعرون بالتوتر المستمر تجاه الشغل والمستقبل.
هم الجيل الأكثر شعوراً بـ الوحدة والعزلة رغم أنهم في عز زمن التواصل.
لأول مرة في التاريخ، يصنع جيل أموالاً أقل من الجيل الذي قبله.

أمام هذا الإحباط وأخبار العالم المخيفة، يحتاج الشاب في آخر اليوم إلى "زر" يعطيه دوبامين مجاني متكرر، يمنحه التخدير الرقمي المطلوب ليتوقف دماغه المنهك عن التفكير، لينام ويستعد لقصة جديدة مرعبة في الصباح التالي.

كل هذه التفسيرات النفسية لا تفسر كل شيء ولا تفسر لماذا محتوى التعفن الدماغي منتشر بهذا الشكل كما ان من الصعب وضع تفسيرات مؤكدة لانه حتى الان هو مصطلح جديد ولم يأخذ وقته في البحث العلمي.

خلف هذا الانتشار المرعب يكمن غياب "التفكير النقدي" لدى جيلي (Z وAlpha)، وظهور ما يسمى "تفكير الكليبات" ، حيث يتم تصفح المعلومات بسرعة البرق دون الغوص في عمقها.

ماذا يفعل هذا بمخاخنا؟
يوجد في الدماغ جزء بديع يسمى "القشرة المخية" وهي مليئة بالثنيات التي تمنح مساحة أكبر لـ 14 إلى 16 مليار خلية عصبية، وتشكل نصف كتلة الدماغ. هذا الجزء المسؤول عن التذكر، اتخاذ القرارات، ربط الماضي بالمستقبل، ببساطة اذا كان عقلك سفينة فهي مركز القيادة .

حسب الأبحاث (مثل دراسات د. جاري سمول)، الاستهلاك المفرط لمحتوى التعفن الدماغي يسبب انكماشاً أسرع وأخطر في أنسجة القشرة الدماغية، ومع انكماشها تتدهور كل وظائفها الإدراكية.
في المقابل، لو تأملنا القراءة، فهي عملية عصبية معقدة لا نولد بها بل نكتسبها. القراءة تبطئ إيقاع الحياة، وتجبر الدماغ على مقارنة الرموز المكتوبة بالمعلومات المختزنة في الذاكرة ليرصد التعارض فالتقليب السريع للمقاطع القصيرة يقلل من هذه الفرص .
حالة الهدوء والسرحان أثناء القراءة تعني أن فكرة استوقفتك لتبحث فيها، وهذا السلوك يقلل من إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول)، ويمنحك تدفقاً بطيئاً ومستداماً للدوبامين بدلاً من الدفعات العشوائية المدمرة، ولهذا القراءة تحتاج مهارات اصعب حين مقارنته بالتصفح.

في علم الأعصاب الإدراكي، يُعرف "الصبر" بأنه: عملية اتخاذ قرار للمفاضلة بين مكافأة صغيرة فورية على المدى القصير، ومكافأة أكثر قيمة وأهمية على المدى الطويل.
السؤال الوجودي الذي يواجهنا الآن:
هل سنستمر في طلب الدوبامين السهل والتشتت المستمر لتجنب مشاكلنا يوماً بيوم، حتى تنهار حياتنا على المدى الطويل؟ أم نصبر ونستحمل الملل والقلق المؤقت للوصول إلى حلول حقيقية وعيش حياة أفضل؟

المواجهة لا تعني اعلان الحرب على التكنلوجيا بل اعادة ضبط علاقتنا بها و تبدأ من هنا: استبدال الشاشات بألعاب حركية وملموسة كالرسم، المكعبات، والصلصال لإعادة تنشيط القشرة المخية، والقراءة مع الطفل بصوت عال والتدريب على التركيز ، وتدريب الدماغ على الصبر، إبطاء إيقاع الحياة اللاهث، وجعل الدوبامين ناتجاً عن أعمال حقيقية لها معنى (كالقراءة والتعلم)، بدلاً من الانسحاب والانغماس في التطبيقات. هنا فقط، نكتسب المناعة الحقيقية ضد تعفن الدماغ.

وختاماً ، عقول أطفالنا الناشئة هي أثمن ما نملك، وليست حقلاً لتجارب الخوارزميات. إن "تشتت الانتباه المكتسب" ليس قدراً حتمياً، بل هو جرس إنذار يدعونا لنتوقف عن دور المتفرج. خلف كل شاشة يحدق فيها طفل، هناك معركة خفية على وعيه ومستقبله الادراكي، وسحبه من هذا الوحل يتطلب منا نفساً طويلاً من الصبر، لكنها المعركة الوحيدة التي لا نملك خيار خسارتها. دعونا نغلق الشاشات قليلاً، لنفتح لعقولهم أبواب الحياة الحقيقية والنمو السليم