بقلم : الدكتورة جمانة حطاب - عضو المجلس المركزي / حزب الإصلاح
نستقبل ذكرى سبعةٍ وعشرين عاماً على جلوس جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله، والأردن يمشي واثق الخطى بين عواصف الإقليم، يثبت جذوره في الأرض ويُثمر أملاً وإنجازاً. هذا ليس كلاماً احتفالياً فحسب؛ إنّه شهادة مواطن عاش المحطات عن قرب: من ليالي القلق على الحدود الشمالية حين تصاعدت تهديدات التهريب والإرهاب، إلى طوابير التطعيم إبّان الجائحة حين بدت الدولة كخلية نحل منسّقة تحمي كبارنا قبل صغارنا. في كل تلك المراحل، كان الأردني يرى بعينه معنى الانتماء حين يلتزم بالنظام العام، ويتطوّع، ويشدّ على يد جاره، ويجد في مؤسسات بلده حصناً وسنداً.
واجهنا أعباء اللجوء التي فاقت طاقة مواردنا، لكننا لم نغلق الباب، وحافظنا على أمننا وحدودنا بجيشٍ عربيٍ محترف وأجهزة أمنية يقظة، وبعقلانية إدارية خفّفت ارتدادات الصدمات على المجتمع. وعلى المنابر الدولية، ظلّ الصوت الأردني ثابتاً وأخلاقياً يدافع عن الحق الفلسطيني ويدعو لحماية المدنيين وحلٍّ سياسيٍ يقوم على الشرعية الدولية، فيما بقي الأردن جسراً للحوار لا ساحةً للصراع.
هذا الاتزان السياسي والدبلوماسي ليس تفصيلاً؛ بل هو الذي صان استقرارنا الداخلي وفتح لنا نوافذ تعاون في أقسى الظروف.
لكن الإنجاز الحقيقي يُقاس حيث يلتقي المواطن بالدولة. نلمسه في مدرسةٍ أفضل ومعلّمٍ أكثر تدريباً، ومستشفى أقرب، وطريقٍ أكثر أمناً، وخدمةٍ رقمية تختصر وقت المراجع وتحفظ كرامته. نراه حين تتسارع الخدمات الحكومية الرقمية وتُبسّط إجراءات الاستثمار في المناطق الصناعية والاقتصادية، وحين تتقدم هوياتنا الرقمية خطوةً تلو أخرى نحو خدمة أسلس للمواطن والمقيم.
أما بالنسبة للشاب الذي يحلم بمشروعه، والفتاة التي تطرق أبواب المشاركة الاقتصادية والسياسية، والمحافظة التي تنتظر نصيبها العادل من التنمية، يصبح التحديث خياراً وجودياً لا ترفاً لغوياً: تحديثٌ سياسي يوسّع المشاركة ويرسّخ التنافس البرامجي، وتحديثٌ اقتصاديٌ يحوّل الاقتصاد إلى إنتاجيٍ مولّدٍ للوظائف، وإداريٌ يطلق التحوّل الرقمي ويعالج الترهل.
هذا المعنى لم يأتِ من فراغ. فقد قدّم جلالة الملك سلسلة من الأوراق المرجعية في الحوكمة والمشاركة والحياة الحزبية عُرفت باسم الأوراق النقاشية ، وهي إطار فكري يرسّخ ثقافة الحوار وسيادة القانون وبناء أحزابٍ برامجية عابرة للهويات الفرعية. وعلى هديها، عملت اللجنة الوطنية لتحديث المنظومة السياسية على بلورة توصيات تحوّلت إلى تعديلات وتشريعات مطبّقة تطوير قانوني الانتخاب والأحزاب باتجاه تمثيلٍ وطني أوسع، وتمكينٍ حقيقي للشباب والنساء، وصون حرية الانتساب الحزبي داخل الجامعات والمؤسسات.
واليوم، لم يعد الانتماء الحزبي عبئاً مهنياً أو اجتماعياً؛ بل طريقاً مشروعاً لصناعة القرار والمساءلة البرلمانية على أساس برامج قابلة للقياس. هكذا نتحوّل من شخصنة السياسة إلى تنافسٍ مسؤولٍ تحت سقف الدستور، فتغدو المعارضة والموالاة شريكين في بناء السياسات العامة لا خصمين على الهتاف، ويكبر رصيد الثقة الشعبية بالمؤسسات كلما ارتفع منسوب الشفافية والمحاسبة.
ولأن السياسة بلا اقتصادٍ منتج لا يدوم، جاء الربط الواجب بين مسارات التحديث. إذ تتقدّم “رؤية التحديث الاقتصادي” بخارطة قطاعاتٍ واعدة كتكنولوجيا المعلومات والسياحة والصناعات الدوائية والغذائية والطاقة المتجددة والمياه، إلى جانب إصلاحاتٍ لتحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات والتحوّل الرقمي للخدمات وتمكين المحافظات عبر اللامركزية ومشاريع البنية التحتية والشراكات مع القطاع الخاص.
وتدعم المؤشرات هذا الاتجاه؛ إذ سجّل الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بنحو 2.6% في عام 2023 وفق دراسة حديثة منشورة لدى البنك الدولي، مع استقرارٍ نسبي في الأسعار على أساسٍ سنوي.
وعلى صعيد الأرقام المحلية المحدّثة، تُظهر نشرات الجهات الرسمية اتجاهاً ثابتًا حيث تراجع معدل البطالة الإجمالي إلى نحو 16.1% في الربع الأول 2026 وفق رصد صحفي مستند إلى بيانات الإحصاءات العامة، مع الإشارة إلى أن القراءة الرسمية التفصيلية تصدر عبر موقع دائرة الإحصاءات العامة دوريّاً.
وفي الصورة الكلية، تستمر المتابعات النقدية والمالية عبر البنك المركزي الأردني في دعم استقرار الأسعار والقطاع المالي.
هذه الأرقام ليست مجرد نسب؛ إنها انعكاس لسياساتٍ مالية ونقدية متحفظة وبرامج تشغيل وتدريب تستهدف الشباب، وتوسّعٍ في التحول الرقمي الذي يخفض كلفة الوقت على المواطن والمستثمر.
ومع تقدّم قطاعات الخدمات والتكنولوجيا، تتّسع فرص العمل النوعية تدريجياً، ما يُترجم إلى تحسّنٍ متدرّج في المؤشرات الاجتماعية.
أما في الميدان؛ يبرهن الأردنيون أن المواطنة فعلٌ يومي لا شعارٌ عابر، انضباطٌ في لحظات الخطر، تكافلٌ في الشدّة، واحترامٌ للقانون كقاسمٍ مشترك يحفظ كرامة الجميع.
إنّ التفافنا حول القيادة الهاشمية الحكيمة ليس تقليداً بروتوكولياً، بل خلاصة تجربة وطنية رسّخت قناعة بأن هذه القيادة ضامن الوحدة واستمرارية الإصلاح وتوازن السياسة، وبأنها بوصلةٌ أخلاقيةٌ في إقليمٍ مضطرب. بهذا الالتفاف نحمي الدولة، وبه نعطي للتحديث عمقه الشعبي، فنحوّل الإنجاز من سياسة حكومية إلى ثقافة مجتمع تعيش في السلوك قبل النص.
في عيد الجلوس الملكي، نقرأ سيرة سبعةٍ وعشرين عاماً من قيادةٍ هادئةٍ وحازمةٍ في آن واحد، صاغت مع الأردنيين وصفة الصمود؛ دولةٌ دستورية راسخة، أمنٌ يقظ، دبلوماسيةٌ فاعلة، وتحديثٌ متدرّج يضع الإنسان في المركز. ومع كل ما يحيط بنا من محنٍ وتقلبات، نزداد يقيناً بأن الأردن أكبر من ظرفٍ عابر، وأن “مشروع تحديث الدولة” الذي يقوده جلالة الملك هو طريقنا إلى مستقبلٍ أوسع فرصاً وأرسخ عدلاً وأعلى كرامة.
نحن أبناء هذا الوطن، نعتز برايته ونلتف حول قائده، ونسير بثقة إلى الغد بعقلٍ واعٍ وقلبٍ دافئ، نزرع حيث يجب أن نزرع، ونحصد حيث يليق بتعب الأردنيين أن يُحصد. بهذه الروح، يبقى الأردن شجرةً تعاند الريح وتُثمر أملاً بغدٍ أفضل.






