بقلم : الدكتورة جمانة حطاب - عضو المجلس المركزي / حزب الإصلاح
في هذا العام تحديدًا؛ أشعر أن الحديث لا يجب أن يكون فقط عن الماضي أو عن الإنجازات التقليدية التي نكررها دائماً، بل عن فكرة مهمة جداً؛ ألا وهي: كيف استطاع الأردن أن يحافظ على ثباته ويتطور في الوقت نفسه؟ وكيف انتقل من مرحلة تأسيس الدولة إلى مرحلة التفكير بشكل مختلف في المستقبل؟
ثمانون عاماً ليس رقماً بسيطاً في عمر الدول، خاصة في منطقة مليئة بالتحديات السياسية والاقتصادية. ومع ذلك، استطاع الأردن خلال هذه السنوات أن يبني مؤسسات قوية ويحافظ على استقراره، والأهم أنه لم يتوقف عند فكرة “الحفاظ على الموجود”، بل دخل الأردن مرحلة جديدة عنوانها التحديث والتطوير الحقيقي.
اليوم تتوجه الأنظار نحو التحديث في الأردن، ولا نتحدث عن مشاريع أو قوانين منفصلة فقط ، بل عن رؤية كاملة يقودها سيد البلاد؛ الملك عبد الله الثاني حفظه الله ورعاه تقوم على أن الدولة الحديثة يجب أن تكون أكثر انفتاحاً وكفاءة وقدرة على التعامل مع المتغيرات الجديدة. وربما أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو مشروع التحديث السياسي، لأنه لا يركز على الحياة الحزبية فحسب، بل على تغيير طريقة التفكير السياسي نفسها.
الفكرة الأساسية في هذا المشروع هي أن الشباب لا يجوز إبقاؤهم على الهامش. فجيل اليوم مختلف، لديه وعي أكبر، ويتعامل مع التكنولوجيا والعالم بطريقة أسرع وأكثر انفتاحاً. لذلك أصبح من الضروري أن يكون للشباب دور حقيقي في صناعة القرار والعمل الحزبي والبرلماني، لا أن يكون دورهم شكلياً فقط. وهذا ما نراه واضحاً في تركيز الدولة خلال السنوات الأخيرة على تمكين الشباب وإعطائهم مساحة أكبر للمشاركة.
الأمر نفسه ينطبق على المرأة الأردنية، التي أثبتت حضورها في مختلف المجالات، لكنها ما زالت تحتاج أحياناً إلى بيئة وتشريعات تساعدها أكثر على الوصول وإثبات نفسها. وخلال الفترة الماضية أصبح هناك توجه أوضح نحو دعم المرأة من خلال القوانين والتعليمات والفرص التي تعطيها مساحة للعمل والقيادة والمشاركة السياسية والإدارية. والأهم من ذلك أن هذا التوجه بدأ يغير بعض القناعات التقليدية الموجودة في المجتمع، لأن نجاح المرأة في مواقع مختلفة أصبح يفرض نفسه على الجميع.
ومن الجدير بالذكر؛ أن مشروع التحديث في الأردن لم يعد منفصلاً عن التطور التكنولوجي. فالدولة اليوم لا تستطيع أن تستمر بالعقلية القديمة نفسها، خاصة في الوزارات والمؤسسات والإدارات الحكومية. لذلك أصبح الحديث عن الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وتطوير الخدمات الحكومية جزءاً أساسياً من رؤية المستقبل، لأن المواطن يريد خدمات أسرع وأكثر شفافية وكفاءة، والدولة الحديثة يجب أن تكون قادرة على تحقيق ذلك.
حتى على مستوى العمل الحزبي، بدأنا نرى محاولات حقيقية لتقديم نماذج جديدة أقرب إلى فكر الشباب وطموحاتهم. والنموذج الأقرب لذلك؛ حزب الإصلاح، حيث جرت مؤخرًا انتخابات داخل الحزب أفرزت عن أمين عام يمثل الروح الشبابية والرؤية الحديثة في العمل السياسي، وهي خطوة تعكس بوضوح التوجه نحو تمكين جيل جديد قادر على العمل بطريقة مختلفة وأكثر قرباً من الواقع الحالي. إن هذا التوجه ليس ببعيد عن الرسائل التي يكررها جلالة الملك عبدالله الثاني وولي العهد الأمير الحسين في لقاءاتهم ومبادراتهم المستمرة مع الشباب، والتي تؤكد دائماً أن مستقبل الأردن يعتمد على طاقة الشباب وأفكارهم وقدرتهم على الابتكار.
أعتقد أن أجمل ما في الأردن خلال هذه المرحلة أنه لا يكتفي بالحديث عن التحديث كشعار، بل يسعى لتحويله إلى واقع تدريجي في السياسة والإدارة والاقتصاد وحتى في طريقة التفكير المجتمعي. لربما هذا هو المعنى الحقيقي للاستقلال بعد ثمانين عاماً؛ أن تكون الدولة قادرة على التطور باستمرار، وأن تبقى محافظة على هويتها وفي الوقت نفسه مستعدة للمستقبل.
فالاستقلال ليس مجرد ذكرى وطنية نحتفل بها كل عام، بل مسؤولية مستمرة، وفكرة تتجدد مع كل جيل جديد يريد أن يرى الأردن أكثر قوة وحداثة وعدالة وفرصاً.
دمت شامخًا عزيزًا يا وطني
اسم الكاتب : الدكتورة جمانة حطاب
حطاب تكتب : ثمانون عامًا من العزة والشموخ
الإثنين - pm 12:50 | 2026-05-25
22 الإعلامي -






