لقاء خاص بموقع 22 الاعلامي - آلاء سلهب التميمي
في المشهد التشكيلي الأردني، لا ينجح الفنانون بالحضور من خلال جمال اللون وحده، بل بما يتركونه من أثر فكري وإنساني في وجدان المتلقي. ومن بين التجارب التي استطاعت أن تصنع لنفسها بصمة مختلفة، تبرز الفنانة التشكيلية الأردنية نوال عبد الرحيم، التي نسجت مشروعها الفني من تفاصيل صغيرة تحولت إلى عالم بصري متكامل، حتى بات مصطلح "المنمنمات العصرية" عنوانًا لتجربتها الإبداعية.
في هذا الحوار الخاص لموقع 22 الإعلامي تتحدث نوال عبد الرحيم عن محطات رحلتها، وفلسفتها الفنية، وعلاقتها بالتراث، ورؤيتها لمستقبل الفن في ظل الثورة الرقمية، كما تكشف عن التحديات التي واجهتها، والرسالة التي تحملها ريشتها إلى العالم.
بدايةً... من هي نوال عبد الرحيم؟ وكيف بدأت رحلتك مع الفن التشكيلي؟
- أعتبر نفسي قبل كل شيء إنسانة تبحث عن الجمال وتحاول إعادة اكتشافه من خلال الفن. أؤمن بأن الفن لغة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود والثقافات واختلاف اللغات، ولذلك كان الرسم بالنسبة لي منذ الطفولة وسيلتي الأولى للتعبير عن مشاعري وأفكاري.
ورغم أن حياتي الأكاديمية والمهنية أخذتني إلى مجالات مختلفة، بقي الفن حاضرًا في كل مراحل حياتي، إلى أن اتخذت عام 2009 قرار التفرغ الكامل له، إيمانًا مني بأن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الفنان الحقيقي هو من يطور أدواته باستمرار ولا يتوقف عن التعلم.
ومنذ ذلك الوقت شاركت في معارض شخصية وجماعية داخل الأردن وخارجه، وكانت كل تجربة تضيف إلى رؤيتي الفنية بعدًا جديدًا.
لفت معرضك الأخير "منمنمات عصرية" الأنظار، حتى أصبح الاسم مرتبطًا بتجربتك الفنية. لماذا اخترت هذا المفهوم؟
- لأن "المنمنمات العصرية" لم تعد مجرد عنوان لمعرض، بل أصبحت تعبيرًا عن هويتي الفنية.
استلهمت الفكرة من فن المنمنمات الشرقية بما يحمله من دقة وثراء بصري، لكنني لم أرد إعادة تقديمه بصيغته التاريخية، بل إعادة قراءته بلغة تشكيلية معاصرة..
تقوم لوحاتي على مئات التفاصيل الصغيرة التي تتكامل لتشكّل لوحة واحدة، تمامًا كما تتكون الحياة من تفاصيل بسيطة قد تبدو عابرة، لكنها تصنع معناها الحقيقي.
وأحب أن يعود المشاهد إلى اللوحة أكثر من مرة، لأنني أؤمن بأن العمل الفني الحقيقي يكشف أسراره بالتأمل، لا بالنظرة الأولى.
تمتلك أعمالك أسلوبًا بصريًا متفردًا... كيف تصفين هويتك الفنية؟
-هويتي الفنية تقوم على بناء الكل من خلال الجزء، لذلك تعتمد معظم أعمالي على وحدات صغيرة تتآلف لتصنع مشهدًا متكاملًا.
أستلهم روح الفسيفساء والمنمنمات الشرقية، وأمزجها برؤية معاصرة، مع اهتمام واضح بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة، واستحضار العناصر النباتية والحيوانية والعمارة والأشكال الهندسية بوصفها مكونات للهوية والثقافة.
كما أميل إلى الألوان الترابية المضيئة لأنها الأقرب إلى البيئة الأردنية والذاكرة العربية، وأحرص دائمًا على أن تحقق اللوحة توازنًا بين بعدها الجمالي ورسالتها الفكرية.
إلى أي مدى يحضر التراث الأردني والهوية العربية في أعمالك؟
-التراث بالنسبة لي ليس زخارف أو رموزًا نكررها، بل هو ذاكرة وهوية وتجربة إنسانية متراكم.
لهذا أستلهم البيئة الأردنية والعربية بكل تفاصيلها، لكنني أعيد صياغتها داخل رؤية معاصرة تتناسب مع لغة الفن الحديث.
أنا لا أرى تعارضًا بين الأصالة والحداثة، بل أؤمن بأن الأصالة تمنح الفنان جذوره، فيما تمنحه الحداثة القدرة على مخاطبة العالم.
مع الثورة الرقمية، اتجهتِ إلى توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أعمالك. كيف تنظرين إلى هذه التجربة؟
-منذ عام 2022 بدأت أبحث في كيفية توظيف التكنولوجيا داخل العمل الفني دون أن يفقد روحه الإنسانية.
عملت على استكشاف تقنيات الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات توسع آفاق التجربة البصرية، وليس باعتبارها بديلًا عن الفنان.
وأعتقد أن مستقبل الفن سيكون أكثر انفتاحًا على التكنولوجيا، لكن القيمة الحقيقية ستبقى دائمًا للفكرة والوجدان والإبداع الإنساني.
ما أبرز التحديات التي واجهتك كامرأة وفنانة تشكيلية؟
-أصعب التحديات كان تحقيق التوازن بين مسؤولياتي الأسرية وعملي وشغفي بالفن.
كما واجهت نظرة بعض الأشخاص الذين كانوا يعتبرون الفن مجرد هواية، بينما كنت أؤمن بأنه مشروع حياة ورسالة
لكنني تعلمت أن كل تحدٍ هو فرصة للتطور، وأن النجاح الحقيقي لا يعني غياب الصعوبات، بل القدرة على تحويلها إلى قوة تدفع الإنسان نحو الإبداع.
كيف تقيمين واقع الحركة التشكيلية في الأردن؟
-الأردن يمتلك طاقات فنية مميزة وتجارب تستحق الوصول إلى العالمية,
لكن النجاح اليوم لم يعد يعتمد على الموهبة فقط، بل يحتاج إلى مشروع فني واضح، واستمرارية في الإنتاج، واطلاع دائم على التجارب العالمية، إضافة إلى الاستفادة من المنصات الرقمية في التعريف بالفنان وأعماله
وأدعو الفنانين الشباب إلى البحث عن بصمتهم الخاصة، لأن العالم لا يبحث عن نسخة مكررة، بل عن تجربة تحمل هوية حقيقية.
هل هناك لوحة تعتبرينها الأقرب إلى قلبك؟
-يصعب عليّ اختيار لوحة واحدة، لأن كل عمل يمثل مرحلة من حياتي.
لكن أكثر الأعمال قربًا إلى قلبي تلك التي جسدت العلاقة بين الإنسان والطبيعة، لأنها تعبر عن قناعتي بأن الإنسان لا ينفصل عن محيطه، وأن الانسجام مع الطبيعة أحد أهم مصادر الجمال الداخلي.
ما الرسالة التي توجهينها للمواهب الشابة؟
-أن يؤمنوا بموهبتهم، لكن يدركوا في الوقت نفسه أن الموهبة ليست سوى البداية.
الفن رحلة طويلة من التعلم والتجريب، ولا ينبغي الخوف من النقد أو المقارنة بالآخرين.
ابحثوا عن صوتكم الخاص، فالهُوية الفنية هي رأس مال الفنان الحقيقي، وهي التي تمنحه الاستمرار والحضور.
لو اختصرتِ رحلتك الفنية كلها في لوحة واحدة، ماذا سترسمين؟
-سأرسم شجرة عريقة تمتد جذورها عميقًا في الأرض، بينما تتجه أغصانها نحو السماء، وتتكون أوراقها من مئات التفاصيل التي تمثل الإنسان والطبيعة والعمارة والنبات والحيوان.
ستكون لوحة يغمرها الضوء، لأنني أؤمن بأن النور يولد من قلب التجربة، وأن الأمل هو القوة التي تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.
وأؤمن أيضًا بأن الفن ليس ترفًا بصريًا، بل ضرورة إنسانية تحفظ الذاكرة، وتبني الجسور بين الشعوب، وأن أجمل الأعمال هي تلك التي تظل تطرح الأسئلة حتى بعد أن يغادر المشاهد قاعة المعرض.
بين ريشة تستلهم التراث، وعين تنظر بثقة إلى المستقبل، تواصل الفنانة التشكيلية نوال عبد الرحيم رسم مشروعها الفني بخطوات ثابتة، مؤكدة أن الفن الحقيقي لا يقف عند حدود الجمال، بل يصنع حوارًا بين الإنسان وذاكرته، وبين الأصالة والحداثة، وبين الأردن والعالم. وفي زمن تتسارع فيه التحولات، تقدم تجربتها نموذجًا لفنانة استطاعت أن تحافظ على هويتها، وهي تنفتح في الوقت ذاته على آفاق التكنولوجيا والابتكار، لتثبت أن الإبداع الأصيل هو القادر دائمًا على البقاء وصناعة الأثر.






