×
آخر الأخبار

سماء الأردن في أسبوع استثنائي .. حوار مع رئيس الجمعية الفلكية الأردنية

{title}
22 الإعلامي   -

خاص - إعداد وحوار: آلاء سلهب التميمي – مديرة تحرير 22 الإعلامي

في أسبوع استثنائي تتسع فيه مساحة الدهشة أمام عظمة الكون، تبدو سماء الأردن على موعد مع سلسلة متلاحقة من الظواهر الفلكية التي تجمع بين الكسوف والاقترانات الكوكبية وزخات الشهب وعبور المحطات الفضائية، وصولًا إلى الخسوف القمري المرتقب نهاية الشهر.

ولفهم هذه المشاهد بعيدًا عن المبالغات والشائعات، أجرى 22 الإعلامي لقاءً خاصًا مع رئيس الجمعية الفلكية الأردنية عمار السكجي، الذي وضع هذه الظواهر في سياقها العلمي، موضحًا ما يمكن للأردنيين مشاهدته، ومتى وأين تكون فرص الرصد أفضل، وما الذي تقوله الحسابات الفلكية بعيدًا عن التفسيرات غير العلمية.

كسوف كلي مرّ بعيدًا عن سماء الأردن

كان العالم، يوم أمس الأربعاء 12 آب/أغسطس، على موعد مع كسوف كلي للشمس، في واحد من أبرز الأحداث الفلكية لعام 2026.

ويحدث الكسوف عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب قرص الشمس كليًا أو جزئيًا بحسب موقع الراصد على سطح الأرض.

وأوضح السكجي رئيس الجمعية الفلكية الأردنية أن الكسوف شوهد كليًا أو جزئيًا من مناطق مختلفة حول العالم، فيما أمكن رصد مراحله الجزئية من عدد من دول المغرب العربي، من بينها ليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، في حين بقي الأردن ودول المشرق العربي المحيطة خارج نطاق الرؤية.

وهنا تكمن أهمية فهم الظاهرة فلكيًا؛ فالكسوف حدث عالمي، إلا أن رؤيته تختلف من منطقة إلى أخرى تبعًا للموقع الجغرافي ومسار ظل القمر على سطح الأرض.

ستة كواكب ترسم مشهدًا لافتًا

وفي فجر اليوم نفسه، شهدت سماء الأردن اصطفافًا ظاهريًا لستة كواكب هي: زحل، نبتون، أورانوس، المريخ، عطارد والمشتري.

وكانت الفترة الممتدة تقريبًا بين 4:45 و5:35 صباحًا من أفضل أوقات الرصد من المواقع ذات الأفق الشرقي المفتوح.

وأشار السكجي إلى أن زحل والمريخ كانا من الأجرام الأسهل للرصد، فيما واجه عطارد والمشتري صعوبة أكبر بسبب قربهما من الأفق ووجودهما ضمن ضوء الشفق الصباحي، أما أورانوس ونبتون فيحتاج رصدهما إلى أدوات فلكية مناسبة.

ويؤكد رئيس الجمعية أن تعبير “اصطفاف الكواكب” لا يعني أن الكواكب اصطفّت فعليًا على خط مستقيم في الفضاء، وإنما يشير إلى ظهورها بصورة متقاربة ظاهريًا على امتداد المسار الذي تبدو الشمس والكواكب تسلكه في السماء عند النظر إليها من الأرض باستخدام الأجهزة البصرية.  

عطارد والمشتري.. موعد مع اقتران صباح السبت

وتتجه الأنظار فجر السبت 15 آب/أغسطس إلى اقتران لافت بين عطارد والمشتري في الأفق الشرقي.

وعند نحو الساعة الخامسة صباحًا بتوقيت الأردن، ستكون المسافة الزاوية بين الكوكبين قرابة 45 دقيقة قوسية، ما يمنحهما مظهرًا متقاربًا في السماء.

غير أن انخفاضهما قرب الأفق والشفق الصباحي قد يجعلان الرصد أكثر تحديًا.

ويستمر التقارب الظاهري حتى تصل المسافة بينهما إلى نحو 30 دقيقة قوسية قرابة الساعة 1:45 ظهرًا، إلا أن هذه اللحظة لن تكون مناسبة للرصد بسبب ضوء النهار ووهج الشمس.

هل تتنبأ الكواكب بالزلازل؟

مع كل ظاهرة فلكية لافتة، تعود بعض الشائعات إلى الواجهة، ومن أكثرها تداولًا الربط بين اصطفاف الكواكب أو اقتراناتها وبين حدوث الزلازل.

وفي هذا السياق، شدد السكجي على عدم وجود علاقة علمية مباشرة مثبتة بين اصطفافات الكواكب والزلازل أو إمكانية استخدامها للتنبؤ بها.

وأوضح السكجي أن الزلازل ترتبط بصورة رئيسية بحركة الصفائح التكتونية وتراكم الإجهادات في القشرة الأرضية وتحررها على امتداد الصدوع، وهي عمليات مرتبطة بالديناميكية الداخلية لكوكب الأرض.

كما أن تأثير جاذبية الكواكب في الأرض، وفق المعطيات الفيزيائية، لا يوفر آلية علمية معتمدة تسمح بتحديد زمان الزلازل أو أماكن حدوثها.

ويؤكد السكجي أن التقارب الذي نراه بين الكواكب في السماء هو في جوهره تقارب ظاهري من منظور الراصد الأرضي، فيما تفصل بين هذه الأجرام مسافات هائلة في الفضاء.

البرشاويات.. سماء آب تفتح أبوابها للرصد

ولا تكتمل حكاية هذا الأسبوع الفلكي دون زخات شهب البرشاويات، إحدى أشهر الزخات الشهابية السنوية وأكثرها جذبًا لهواة مراقبة السماء.

وقد شهدت مناطق عدة في المملكة رصدًا للشهب، خصوصًا في المواقع التي تتمتع بسماء مظلمة وتلوث ضوئي منخفض، ومنها وادي رم والأزرق والعالوك ومناطق صحراوية أخرى.

كما رُصد وصُوّر من سماء الأردن، عند نحو الساعة الثالثة فجر الخميس، المذنب 220P/McNaught، وكان على مسافة تقارب 180.7 مليون كيلومتر من الأرض، فيما يدور حول الشمس كل نحو 5.5 سنوات، ومن المتوقع أن يصل إلى أقرب اقتراب له من الأرض، بنحو 89.4 مليون كيلومتر، عام 2048.

وتتحسن فرص رصد الشهب بعيدًا عن أضواء المدن، خصوصًا في ساعات الليل المتأخرة وقبل الفجر، مع إعطاء العين وقتًا كافيًا للتكيف مع الظلام.

وفي هذا الإطار، تستعد الجمعية الفلكية الأردنية لرصد شهب البرشاويات وظواهر فلكية أخرى من وادي رم في ليلة الجمعة/السبت، في تجربة تجمع بين الرصد العلمي ومتعة اكتشاف السماء.

محطة الفضاء الدولية تعبر فوق عمّان

ويحمل فجر السبت مشهدًا إضافيًا يستهوي هواة الفلك والتصوير، مع عبور محطة الفضاء الدولية فوق سماء الأردن وعمّان وضواحيها.

ومن المتوقع أن يبدأ ظهور المحطة عند نحو 5:07 صباحًا من جهة الأفق الجنوبي الغربي، قبل أن تتحرك عبر السماء باتجاه الأفق الشمالي الشرقي، في مسار يبدو فيه العبور قريبًا من منطقة اصطفاف الكواكب.

ويستمر العبور المرئي قرابة 6 دقائق و20 ثانية، فيما قد يصل لمعان المحطة إلى قدر يقارب -3.1، ما يجعلها جسمًا شديد السطوع يمكن مشاهدته بالعين المجردة في الظروف المناسبة.

وتدور محطة الفضاء الدولية على ارتفاع يقارب 400 كيلومتر عن سطح الأرض، وتكمل دورة حول الكوكب خلال نحو 90 دقيقة، وتظهر من الأرض كنقطة ضوئية ساطعة تتحرك بثبات وسرعة عبر السماء.

وقبل ذلك، شهدت سماء عمّان وضواحيها فجر الخميس، عند نحو الساعة 4:22، عبور محطة الفضاء الصينية، التي ظهرت بلمعان بلغ قرابة -2.5 واستمر عبورها أكثر من ست دقائق.

الهلال بين الحساب والرصد

وفي جانب يجمع علم الفلك بالحسابات المرتبطة بالرصد الشرعي، تتجه الأنظار مساء الخميس 13 آب/أغسطس إلى تحري هلال شهر ربيع الأول.

ويشرح السكجي أن إمكانية رؤية الهلال تعتمد على مجموعة من المعطيات الفلكية، من بينها توقيت الاقتران المركزي، وعمر الهلال عند غروب الشمس، وارتفاعه عن الأفق، والاستطالة الزاوية بين القمر والشمس، ومدة مكثه بعد الغروب، إلى جانب الظروف الجوية وموقع الراصد.

وتبقى النتيجة الرسمية المتعلقة بدخول الشهر الهجري من اختصاص سماحة مفتي عام المملكة وفق آليات التحري والرصد المعتمدة، فيما تقدم الحسابات الفلكية بيانات دقيقة حول موقع القمر وظروف وجوده فوق الأفق واحتمالات رؤيته.

خسوف قمري ينتظر سماء المملكة

ولا تتوقف المفاجآت الفلكية عند منتصف الشهر، إذ ينتظر الراصدون في 28 آب/أغسطس خسوفًا للقمر يمكن رصد أجزاء منه من سماء المملكة، ليضيف مشهدًا جديدًا إلى سلسلة الظواهر التي تجعل آب 2026 شهرًا استثنائيًا لعشاق السماء.

سهيل.. حين يلتقي العلم بالموروث

ومن السماء إلى الذاكرة الشعبية، يبرز نجم سهيل الذي يحتل مكانة خاصة في الموروث العربي، وتحرص الجمعية الفلكية الأردنية على متابعته ورصده وتصويره سنويًا، مع إخضاع ما ارتبط به من ملاحظات شعبية للحسابات العلمية.

وفي دراسة فلكية أجرتها الجمعية، جرت مقارنة بين شروق الشمس وشروق نجم سهيل خلال شهري آب وأيلول 2026 في عمّان وضواحيها.

وتشير الدراسة إلى أن شروق سهيل في الأردن يتزامن تقريبًا مع شروق الشمس في 28 آب/أغسطس، ثم تتحسن فرص رصده باستخدام الكاميرات الفلكية والأدوات الاحترافية خلال الأسبوع الأول من أيلول، فيما تصبح فرص مشاهدته بالعين المجردة أفضل بعد منتصف أيلول تقريبًا.

أربعة عقود من صناعة الوعي الفلكي

وفي قلب هذا المشهد، تواصل الجمعية الفلكية الأردنية مسيرتها التي بدأت عام 1987 في عمّان، كجمعية علمية وثقافية غير ربحية تُعنى بنشر علوم الفلك والفضاء وتعزيز الثقافة العلمية في المجتمع الأردني والعربي.

وعلى امتداد أربعة عقود تقريبًا، عملت الجمعية على تحويل الاهتمام بالسماء من هواية فردية إلى نشاط علمي مؤسسي، من خلال تنظيم الأرصاد والمحاضرات والندوات وورش العمل والمخيمات الرصدية والبرامج التعليمية.

كما تتابع الجمعية الأهلة والكسوف والخسوف والزخات الشهابية والاقترانات والكواكب والمذنبات والكويكبات والنشاط الشمسي، إلى جانب التصوير الفلكي والحد من التلوث الضوئي وتعزيز مفهوم السماء المظلمة.

وتتوسع هذه الجهود نحو السياحة الفلكية، عبر تنظيم فعاليات الرصد في المواقع السياحية والأثرية والتاريخية، بما يربط العلم بالمكان والتراث ويمنح الزائر تجربة مختلفة تتجاوز حدود المشاهدة إلى المعرفة والاكتشاف.

السماء.. مدرسة مفتوحة

في حديثه لـ”22 الإعلامي”، يضع عمار السكجي هذه الظواهر في إطارها الأوسع: السماء ليست مجرد لوحة جميلة نرفع أعيننا إليها في لحظات الدهشة، وإنما مساحة مفتوحة للعلم والبحث والتعليم.

فبين كسوف مرّ على أجزاء من العالم، واصطفاف كوكبي ظهر في سماء الأردن، واقتران مرتقب، ومحطات فضائية تعبر فوق رؤوسنا، وشهب تضيء ليالي آب، وخسوف ينتظر الراصدين نهاية الشهر، تتحول سماء 2026 إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة المجتمع بالعلم.

وربما تكمن القيمة الأجمل في أن هذه الظواهر لا تحتاج دائمًا إلى مختبرات ضخمة أو تقنيات معقدة كي تثير فضول الإنسان؛ يكفي أحيانًا أفق مفتوح، وسماء صافية، وعين تعرف ماذا تراقب.

وفي زمن تتسارع فيه الشائعات كما تتسارع الأخبار، تظل السماء واحدة من أكثر الكتب صدقًا؛ تحتاج فقط إلى من يقرأها بالعلم، لا بالخرافة، وينظر إليها بدهشة الإنسان وإيمان الباحث بحقيقة أن في هذا الكون آيات لا تنتهي.