×
آخر الأخبار

من مادبا إلى العقبة عبر "أردننا جنة".. "موقع 22 الإعلامي" يوثق ذاكرة التاريخ والسياحة الوطنية .. صور

من مادبا إلى العقبة عبر
22 الإعلامي   -

آلاء سلهب التميمي - من مادبا إلى العقبة، جابت مديرة تحرير «موقع 22 الإعلامي» الأستاذة آلاء سلهب ربوع الوطن في رحلة استكشافية، كاشفة عن جماليات التراث الأردني وعمق حكاياته التاريخية.

حيث اكتشفنا خلال رحلة «أردننا جنة» أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تعيش في الوطن، وأن تتوقف لتراه وتسمع حكايته وتكتشف تفاصيله.

من مادبا إلى القطرانة، ومن القطرانة إلى البتراء، ثم وادي رم والعقبة، كانت الرحلة بالنسبة لنا أكثر من برنامج سياحي؛ كانت رحلة في ذاكرة وطن، بين آثار تحكي تاريخًا طويلًا، وحضارات تركت بصمتها، وطبيعة تمنح الأردن جمالًا لا يتكرر.

بدأنا من مركز زوار مادبا، الذي يقع في بيت تراثي يعود إلى القرن التاسع عشر، ليكون نقطة انطلاق للتعرف إلى تاريخ المدينة ومعالمها.

وهناك شعرنا منذ البداية أن المكان لا يقدم للزائر مجرد معلومات سياحية، بل يفتح أمامه بابًا إلى مدينة تختزن طبقات متعاقبة من التاريخ والحضارة.



 

بعدها واصلنا طريقنا إلى القطرانة، حيث توقّفنا عند قلعة القطرانة، تلك القلعة التاريخية التي تقف على الطريق الصحراوي شاهدة على زمن كانت فيه طرق السفر محفوفة بالمشقة، وكانت محطات المياه والخانات والقلاع ضرورة لحماية المسافرين وقوافل الحجاج وتأمين الطريق.

وفي القطرانة، لم تكن القلعة وحدها تستوقفنا؛ فقد حملت محطة سكة حديد القطرانة ذاكرة أخرى مرتبطة بسكة حديد الحجاز، التي شكلت جزءًا مهمًا من تاريخ المنطقة وحركة السفر والحجاج في ذلك الزمن.

كل محطة كانت تقول لنا إن الطريق الذي نعبره اليوم بالسيارة، كان ذات يوم طريقًا للقوافل والحجاج والمسافرين، وأن الأرض التي تبدو لنا هادئة الآن كانت شاهدة على حركة بشرية وحضارية متواصلة.

 

ثم جاء الموعد مع البتراء.

وهنا يصعب أن تفي الكلمات بالمشهد.

عندما تدخل السيق وتمشي بين الجبال الصخرية، تشعر أنك لا تدخل مكانًا أثريًا فحسب، بل تدخل فصلًا حيًا من تاريخ الأردن. وكلما اقتربت من الخزنة، يتراجع الكلام أمام عظمة المشهد؛ صخور منحوتة، وتفاصيل هندسية، وحضارة استطاعت أن تترك أثرًا ما زال العالم يقف أمامه مدهوشًا بعد آلاف السنين.

البتراء بالنسبة لي لم تكن مجرد وجهة لالتقاط الصور، بل كانت درسًا في قدرة الإنسان على صناعة الحضارة، وفي عبقرية الأنباط الذين أقاموا مدينتهم في قلب الصخر، وطوّروا نظامًا متقدمًا لإدارة المياه في بيئة قاسية.

ومن المدينة الوردية انتقلنا إلى لوحة مختلفة تمامًا من الجمال.

وادي رم.

هناك تتغير ملامح المكان، وتتسع الصحراء حتى تشعر أن الأفق لا نهاية له، ويصبح الصمت جزءًا من المشهد.

كانت ليلة المبيت في وادي رم واحدة من أكثر لحظات الرحلة التي بقيت في الذاكرة. بعيدًا عن ضجيج المدن وأضوائها، كانت السماء أكثر وضوحًا، والنجوم أكثر حضورًا، وكان مشهد درب التبانة فوقنا كافيًا لأن يجعلنا ندرك أن الطبيعة الأردنية لا تكتفي بأن تمنحنا الأرض، بل تمنحنا أيضًا سماءً تستحق أن نتأملها.

وبرفقة الدليل السياحي عبدالله عبيدات، وعدد من السيدات المشاركات في الرحلة، لم تكن التجربة مجرد مشاهدة للمكان، بل كانت مساحة للتعرف والحوار وتبادل الحكايات والضحكات.

وهنا أدركت أن أجمل ما في الرحلات ليس فقط ما نراه، وإنما من نلتقي بهم ونحن في الطريق.

ثم اتجهنا جنوبًا نحو العقبة؛ المدينة التي يختلف فيها المشهد تمامًا، فتغادر الصحراء لتستقبلك زرقة البحر الأحمر.

وفي قلعة العقبة، عدنا مرة أخرى إلى التاريخ، إلى مدينة عرفت أهميتها عبر العصور، وكانت بوابة للتجارة والحركة والتواصل، وحملت أسماء وملامح متعددة، من بينها أيلة التاريخية.

وقفت أمام القلعة وأنا أفكر في المسافة التي قطعناها خلال أيام قليلة؛ من مادبا التي تحتفظ بذاكرة حضارية عميقة، إلى القطرانة ومحطات القوافل والقطار، إلى البتراء التي اختزلت عبقرية الأنباط في الصخر، ثم إلى وادي رم بسماءه المفتوحة، وصولًا إلى العقبة وبحرها.

 

أي وطن آخر يمكن أن يمنحك كل هذا التنوع في رحلة واحدة؟

هذه الرحلة جعلتني أرى الأردن بطريقة مختلفة.

اكتشفت أن جمال الوطن لا يكمن في مكان واحد، ولا في صورة واحدة، ولا في مدينة واحدة؛ فالأردن يمتلك مزيجًا استثنائيًا من التاريخ والحضارة والطبيعة والإرث الإنساني.

والأهم أنني اكتشفت أن السياحة الداخلية ليست مجرد نزهة عابرة. إنها معرفة بالوطن، ودعم للمجتمعات المحلية، وتعريف للأجيال بما تركه الآباء والأجداد، وفرصة لأن يرى الأردني بلده بعين السائح الذي يأتي إليه من أقصى العالم.

لذلك، فإن تجربة «أردننا جنة» بالنسبة لي لم تكن مجرد رحلة من نقطة إلى أخرى، بل كانت رحلة لاكتشاف وطن كنت أظن أنني أعرفه.

عدت منها وأنا أحمل صورًا كثيرة، وذكريات أجمل، لكنني حملت قبل كل ذلك قناعة واحدة:

أننا أحيانًا نسافر بعيدًا بحثًا عن الجمال، بينما الجمال الذي نبحث عنه كان طوال الوقت هنا… في وطن اسمه الأردن.

تاريخٌ نعتز به، وحضارةٌ نحكيها، وإرثٌ نحمله للأجيال… ووطنٌ كلما اكتشفناه، أحببناه أكثر.