×
آخر الأخبار

افتكار بني عيسى .. بنت الكورة التي صنعت الأثر .. قصة نجاح عبر موقع 22 الإعلامي

{title}
22 الإعلامي   -

خاص- اعداد آلاء سلهب التميمي

من فنجان قهوة إلى أثر لا يغيب


لم تكن افتكار راشد بني عيسى تعرف، وهي تجلس في بدايات حياتها بخجل أمام الآخرين، أن فنجان قهوة سيصبح ذات يوم عنواناً لإحدى أهم محطات تجربتها في العمل العام.

كانت تخجل حتى من شرب القهوة أمام الناس، وتصف نفسها في تلك المرحلة بأنها ضعيفة الشخصية، تخشى المواجهة ولا تمتلك الجرأة على الدخول في نقاش مع الآخرين. لكن السنوات التي تلت ذلك صنعت من تلك المرأة الخجولة شخصية مختلفة تماماً؛ امرأة تقف أمام الناس، تدخل بيوتهم، تستمع إلى مشكلاتهم، تخوض الانتخابات، تدير المبادرات، تساعد المحتاجين، وتبحث عن حلول لمشكلات مجتمعها المحلي.

هذه ليست حكاية امرأة شغلت منصباً أو فازت في انتخابات فحسب، وإنما قصة امرأة اختارت أن تجعل من حياتها مساحة مفتوحة للآخرين؛ فكانت مكافحة، صبورة، مثابرة، عاطفية، صاحبة مبدأ، وقبل ذلك كله امرأة تؤمن بأن قيمة الإنسان بما يتركه من أثر.

افتكار، ابنة الكورة، بدأت من إمكانات محدودة، لكنها امتلكت إرادة واسعة. ومنذ عام 1996، بدأت أولى خطواتها في العمل الاجتماعي بعد حصولها على دبلوم في المحاسبة، ثم التحقت بدورات في الطباعة والحاسوب، قبل أن تنخرط في العمل داخل جمعية خيرية.

كانت تلك البداية بسيطة، لكنها كانت البوابة التي قادتها إلى عالم أوسع من العمل الاجتماعي والتطوعي والمجتمعي.

بعد ذلك، انتقلت إلى العمل في مركز ثقافي مجاني، وهناك جاءت واحدة من المحطات التي غيرت مسار حياتها. فقد أُعلن عن عرض المركز للبيع، فقررت افتكار شراءه بالتقسيط، لتصبح مديرة مركز غيداء الثقافي للدراسات المهنية والتعليمية.

لم تكن إدارة المركز بالنسبة إليها وظيفة مكتبية، بل مشروعاً أرادت أن تثبت من خلاله أن التعليم والتدريب يمكن أن يكونا طريقاً لتغيير حياة الناس.

بدأت تذهب إلى المدارس، للبنين والبنات، وتعرّف الطلبة بالدورات التي يقدمها المركز، وتعمل على استقطاب المتدربين. وبفضل عملها الدؤوب، أصبح المركز في فترة من الفترات ثاني مركز في لواء الكورة، وأصبحت افتكار معروفة لدى المجتمع المحلي.

لكنها لم تنظر إلى المركز كمشروع تجاري فقط؛ فقد فتحت أبوابه أمام الحالات الإنسانية، وقدمت دورات في الخياطة والتجميل، مؤمنة بأن امتلاك الإنسان لمهارة قد يكون الخطوة الأولى نحو الاعتماد على نفسه.

أول أثر.. فرصة لفتاة تحتاج إلى بداية

كانت أولى المبادرات التي تعتز بها افتكار مرتبطة بمجموعة من الطالبات الجامعيات من الحالات الإنسانية.

سعت إلى تأمين دورات مدفوعة الأجر لهن من لجنة زكاة الأوقاف في عمان، واستمرت الدورات ستة أشهر، وشملت الخياطة والتجميل، مع شهادات معتمدة من وزارة التربية والتعليم، بحكم ارتباط المركز بالوزارة.

تتذكر تلك اللحظة وكأنها حدثت بالأمس:

«كان شعور مميزاً وممتعاً عندما حصلت على الموافقة للطالبات».

بالنسبة إليها، لم تكن الموافقة مجرد إجراء إداري، بل كانت فرصة حقيقية لفتيات يحتجن إلى من يفتح أمامهن باباً جديداً.

ومن هنا بدأت تتبلور فلسفة افتكار في العمل العام: لا تقدم للإنسان مساعدة مؤقتة فقط، بل حاول أن تمنحه فرصة يستطيع من خلالها أن يقف على قدميه.

من العمل الخيري إلى بناء منظومة للمساعدة

في عام 2008، دعتها وزارة الأوقاف إلى تشكيل لجنة زكاة للسيدات في دير أبي سعيد، لتكون اللجنة الثانية من نوعها على مستوى المملكة.

اختارت سبع سيدات، وحرصت على أن تمثل اللجنة مختلف العشائر والمناطق المحيطة، قبل أن تبدأ مرحلة العمل الميداني.

لم تكن افتكار تريد أن تقوم عملية المساعدة على المعرفة الشخصية أو الانطباعات؛ لذلك اتجهت مع أعضاء اللجنة إلى إعداد دراسة شاملة للحالات الإنسانية.

جرى حصر الأسر، وإعداد ملفات تتضمن عدد أفراد كل أسرة، والطلبة الجامعيين، والحالات الخاصة، والمرضى، وغيرها من التفاصيل التي تساعد على تحديد الاحتياجات بدقة.

بعد ذلك، بدأت اللجنة بمخاطبة الشركات في عمان للحصول على الدعم والتبرعات، ثم إيصال المساعدات إلى الأسر المسجلة.

كانت افتكار ترى أثر هذا العمل في التفاصيل الصغيرة.

طرود، ملابس، مساعدات مالية، واحتياجات للمسنين؛ أشياء قد تبدو بسيطة لمن يقدمها، لكنها بالنسبة لمن ينتظرها قد تعني الكثير.

وتقول:

«كان شعور جميل عندما أقوم بإحضار الفوط للمسنين والطرود والملابس والفلوس وتقديمها للمحتاجين».

من فنجان القهوة إلى المجلس البلدي

في عام 2003، قررت افتكار خوض تجربة الانتخابات البلدية للمرة الأولى.

حصلت على أعلى الأصوات بين السيدات، لكن نظام تلك المرحلة لم يكن يتضمن الكوتا النسائية بالشكل الذي أصبحت عليه لاحقاً، وكانت آليات الوصول إلى المجلس مختلفة.

لم يكن ذلك كافياً لإطفاء رغبتها في الاستمرار.

وفي عام 2007، عادت إلى الميدان للمرة الثانية، هذه المرة وسط تشجيع من النساء والشباب، لكنها واجهت في المقابل اعتراضات وصعوبات من بعض الأقارب والمحيط الاجتماعي.

كان عليها أن تخوض معركة اجتماعية قبل أن تخوض الانتخابات.

لكن افتكار اختارت أن تواجهها بطريقتها الخاصة.

كانت قد شاركت في ورشة تدريبية لدى مركز راصد، وتعلمت من خلالها أساليب التواصل المجتمعي، ثم حولت واحدة من أبسط أدوات التواصل الاجتماعي إلى وسيلة انتخابية فعالة: فنجان القهوة.

بدلاً من أن تذهب إلى كل سيدة منفردة، كانت تطلب منها أن تجمع جاراتها، ثم تجلس معهن وتتحدث عن أوضاع المجتمع المحلي، والظروف التي تواجه الناس، وتشرح لهن القانون وأهمية المشاركة.

جالت البيوت، واستمعت إلى النساء، وتحدثت معهن بلغة قريبة من حياتهن اليومية.

لم تكن حملة انتخابية تقليدية بقدر ما كانت حواراً مجتمعياً مفتوحاً.

والنتيجة؟

نجحت افتكار، وأصبحت عضواً في بلدية دير أبي سعيد.

ومنذ ذلك الوقت، لم يعد هاتفها مرتبطاً بمواعيد العمل أو بالانتخابات؛ أصبح مفتوحاً للجميع.

شكوى، طلب مساعدة، مشكلة أسرية أو مجتمعية، طالب يبحث عن فرصة، أو أسرة تحتاج إلى من يسمعها؛ كانت افتكار تحاول أن تكون موجودة.

حين يصبح الطموح تعليماً

لم يتوقف طموحها عند العمل البلدي.

قررت افتكار أن تعود إلى مقاعد الدراسة، فسجلت في جامعة عجلون الوطنية، وحصلت على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال.

وبالتوازي مع دراستها، واصلت مساعدة الطلبة، وتمكنت من تأمين رسوم جامعية لنحو 80 طالباً وطالبة في جامعات مختلفة، بدعم من سعادة محمد نور الشريدة من شركة البوتاس، الذي توجه له بالشكر والدعاء بالشفاء والعافية.

كانت ترى في تعليم الطلبة استثماراً في مستقبل المجتمع، لا مجرد مساعدة مالية عابرة.

وبعد حصولها على الشهادة الجامعية، ترشحت للمرة الثالثة للبلدية، وحصلت على أعلى الأصوات ونجحت تنافسياً.

لكن النجاح وضعها أمام اختبار جديد.

طُلب منها الاستقالة من لجنة الزكاة، حتى لا يُنظر إلى وجودها فيها على أنه استغلال للعمل الخيري في الدعاية الانتخابية.

كان القرار من أصعب القرارات التي واجهتها؛ فقد بنت خلال سنوات علاقة عميقة مع العمل الخيري والحالات الإنسانية.

ومع ذلك، اختارت أن تحافظ على استقلال العمل الخيري، وقدمت استقالتها.

ثم عادت إلى الميدان مرة أخرى، وترشحت للمرة الرابعة، ونجحت تنافسياً.

أربع محاولات انتخابية، ومسار طويل من العمل المجتمعي، لم يكن هدفه في النهاية مجرد الحصول على مقعد، وإنما بناء علاقة مستمرة مع الناس.

حين يصبح النجاح الذي يصنعه الآخرون جزءاً من نجاحك

من أكثر القصص التي تفخر بها افتكار في حياتها قصة زوجها المهندس تغلب الرشدان.

بعد الزواج، كان زوجها يعمل عامل وطن، لكنها لم تنظر إلى الوظيفة باعتبارها نهاية الطريق. رأت فيه شخصاً يستطيع أن يطور نفسه إذا وجد من يؤمن به.

شجعته ووقفت إلى جانبه.

حصل على الثانوية العامة الزراعية بمعدل 82، ثم التحق بالجامعة، ودرس الهندسة الزراعية، وكان من الطلبة المتميزين، وحصل على مرتبة الشرف وشهادة امتياز في تخصصه.

بالنسبة إلى افتكار، لم يكن وصول زوجها إلى الهندسة مجرد إنجاز شخصي له؛ كان أيضاً ثمرة لمساحة من الإيمان والمساندة التي اختارت أن تمنحه إياها.

وتقول إن من أكثر الأشياء التي تشعرها بالفخر أنها وقفت إلى جانبه حتى وصل إلى أن يصبح مهندساً.

وهنا يظهر جانب آخر من شخصيتها: فهي لا تقيس النجاح بما تحققه لنفسها فقط، بل بما تستطيع أن تفعله في حياة الآخرين.

أمها.. الوعد الذي سبق الزواج

لكن وراء هذه المرأة القيادية حكاية إنسانية أكثر عمقاً، بدأت داخل بيتها.

كانت والدتها مصابة بسرطان الثدي، وكانت امرأة مسنّة تحتاج إلى ابنتها. في الوقت الذي كان فيه جميع إخوتها وأخواتها قد تزوجوا، اختارت افتكار أن تبقى إلى جانب والدتها.

وعدتها بأنها لن تتزوج ما دامت على قيد الحياة، لأن والدتها كانت متعلقة بوجودها، وكان حضورها يمنحها الأمان والطمأنينة.

وفاءً لهذا الوعد، أوقفت افتكار انشغالاتها لمدة عام كامل، وكرست وقتها لرعاية والدتها.

حتى جاء عام 2016.

كان يوماً وصفته بأنه من أصعب أيام حياتها؛ فقد ماتت والدتها وهي في حضنها وعلى صدرها، وكانت تدعو لها بالخير والستر.

رحلت الأم، لكن افتكار شعرت أنها فقدت أكثر من أم.

فقدت الرفيقة، والصاحبة، والصديقة، والسند.

وتقول:

«يا الله، ما أصعب من شعور موت الأم والرفيقة والصاحبة والصديقة. كانت كل شيء في حياتي، ذهبت وتركتني وحيدة في هذه الدنيا والحياة الصعبة».

بعد رحيلها، وجدت افتكار نفسها أمام حياة جديدة لم تخترها، وحيدة في مواجهة فراغ كبير.

لكنها تذكرت شيئاً تعلمته طوال حياتها: أن السقوط ليس النهاية.

تحدثت مع نفسها، وقالت إن عليها أن تستمر، لأن الحياة باقية، وإن كان الفراق صعباً.

عادت إلى نشاطاتها من جديد، واستعادت حضورها الاجتماعي، ثم اتخذت قراراً شجاعاً بفتح باب الزواج.

كان الزواج متأخراً، وكان القرار صعباً، لكنها اتخذته بكل جرأة، واختارت أن تكمل مشوارها مع تغلب الرشدان.

لم ترَ في الزواج المتأخر خسارة لما مضى، بل فرصة لاستكمال الحياة.

وهكذا، كان قرار الزواج في حد ذاته محطة جديدة في فلسفة افتكار؛ فبعد أن عاشت سنوات وفاءً لوالدتها، أدركت أن الوفاء لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الحياة، وأن الحزن مهما كان عميقاً لا يجب أن يمنع بداية جديدة.

عامر.. رفيق الطريق الذي غاب

ولم تكن الأم وحدها حاضرة في الذاكرة العاطفية لافتكار.

كان شقيقها الراحل عامر بني عيسى أحد أقرب الأشخاص إليها، تصفه بأنه لم يتركها يوماً، أينما ذهبت وأينما عملت.

كان رفيق عمرها منذ البداية وحتى نهاية حياته.

لكن الموت أخذ عامر في عام 2026، في يوم الوقفة خلال شهر رمضان المبارك.

جاء الرحيل هذه المرة ليضعها أمام فقد جديد، وليذكرها بأن بعض الأشخاص لا يغادرون حياتنا حتى بعد أن يغادروا الدنيا؛ تبقى أصواتهم، ومواقفهم، وذكرياتهم جزءاً من قوتنا.

وفي بداياتها، كان شقيقاها يونس بني عيسى وعوني بني عيسى من الداعمين لها، ثم أصبح زوجها لاحقاً أحد أبرز من وقف إلى جانبها.

وربما لهذا لا ترى افتكار نجاحها قصة فردية؛ فهي تعرف أن وراء كل إنسان يقف في الصفوف الأمامية أشخاص آمنوا به في لحظات لم يكن هو نفسه متأكداً فيها من قدرته.

«تفقد جارك».. حين تحوّل فنجان القهوة إلى مائدة للناس

خلال جائحة كورونا، عاد فنجان القهوة مرة أخرى إلى المشهد.

كانت مجموعة من السيدات تجلس معاً، ودار الحديث حول الأسر المحتاجة في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الجائحة.

لم يبقَ الحديث حديثاً.

تحول إلى مبادرة حملت اسم «تفقد جارك».

حصلت افتكار على الموافقة اللازمة للحركة، وبدأت مع زوجها ومجموعة من السيدات بإعداد وجبات الإفطار وتوزيعها على الأسر المحتاجة.

وصل عدد الأسر المستفيدة إلى نحو 30–40 عائلة، إضافة إلى توزيع الخبز والحلويات والمعمول في الأعياد.

وكانت الفكرة بسيطة وقابلة للمشاركة: كل سيدة تستطيع أن تزيد كمية الطعام في طبختها، ثم يجمع الطعام ويوزع على الأسر المحتاجة.

حتى الرجال شاركوا في التوزيع.

وفي عيد الأضحى، اتصلت مجموعة من السيدات وأبدين رغبتهن في شراء أضحية باسم الجميع، فتم شراء الأضحية وتأمين الأرز والشنينة وتوزيعها على نحو 40 عائلة.

كانت المهمة صعبة؛ فالحركة كانت مقيدة، والطعام يجب أن يصل قبل أذان المغرب، فيما كانت الأسر قد أُبلغت مسبقاً بعدم إعداد الطعام.

لكن روح الفريق جعلت المهمة ممكنة.

وتتذكر افتكار واحدة من أكثر المواقف التي بقيت في قلبها.

اتصلت بها سيدة وقالت إنها لم تطبخ ذلك اليوم.

ذهبت إليها، وأخذت لها من فطور المجموعة، ثم عادت وقامت بقلي الزهرة والبطاطا، وجلست السيدة لتفطر.

تتوقف افتكار عند هذه اللحظة وتقول:

«يا الله، ما أجمله من شعور».

ربما لا تحتاج تلك اللحظة إلى كثير من الشرح؛ ففيها تختصر افتكار معنى العمل التطوعي كله: أن تعرف أن ما تفعله، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن يجعل يوم إنسان آخر أقل قسوة.

العمل التطوعي.. جميل ومتعب

لا تخفي افتكار أن العمل التطوعي متعب.

تصفه بأنه جميل جداً، ومتعب جداً، وتحدٍ كبير، ويحتاج إلى تنازلات كثيرة، وإلى أن يضع الإنسان نفسه أحياناً في المرتبة الثانية وهو يقدم الخدمة للآخرين.

لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن السنوات تمر في العمل التطوعي من دون أن يشعر الإنسان بالوقت.

وترى أن المبادرات تحتاج دائماً إلى الدعم، والأيدي العاملة، والإعلام الذي يستطيع أن يساعد في إيصال صوت المبادرات ومساندتها.

من البلدية إلى الزراعة

بعد حل المجالس البلدية، لم تجد افتكار نفسها خارج العمل العام.

بالعكس، اتجهت مع مجموعة من السيدات والشباب إلى تأسيس جمعية زراعية خيرية، لأنها رأت في الزراعة فرصة لخلق فرص عمل ومساعدة الأسر والشباب.

وفي كل عام، تعمل مع زوجها المهندس تغلب الرشدان في مزرعة، ويتم تسويق المنتجات للمجتمع المحلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها الدوالي والرمان والليمون ودبس الرمان والحلويات، مع توصيل المنتجات إلى العائلات.

لا تخجل افتكار من أي عمل تقوم به، مهما كان بسيطاً.

فالعضوية في البلدية أو النشاط الاجتماعي لا يمنعانها من العمل بيديها، وهي تؤمن بأن قيمة الإنسان لا تأتي من المسمى الذي يحمله، وإنما من الأثر الذي يتركه.

واليوم، تحمل افتكار حلماً جديداً: مشروع لتبريد الخضروات والفواكه الطازجة، مشروع اقتصادي واجتماعي يمكن أن يساعد الشباب والعائلات، ويوفر فرصاً جديدة لأبناء المجتمع المحلي.

إنها لا تريد للزراعة أن تبقى مجرد إنتاج موسمي؛ بل تراها مدخلاً إلى التنمية من خلال التخزين والتسويق والتصنيع وخلق فرص العمل.

رسالة إلى الشباب: انزلوا إلى الميدان

من تجربتها الطويلة، توجه افتكار رسالة خاصة إلى الشباب، وخاصة طلبة الجامعات.

تؤمن أن الجامعة لا ينبغي أن تكون مكاناً مغلقاً بين المحاضرات والكتب، وإنما بوابة للانخراط في المجتمع.

وترى أن مواجهة المشكلات على أرض الواقع هي التي تصنع الشخصية.

وتقول:

«مستحيل العائلة تقدر تعلمك على حل المشاكل إلا إذا واجهتها وتعبت في حلها، لأنها تعطيك قوة الشخصية».

بالنسبة إليها، العمل التطوعي لا يقدم خدمة للمجتمع فقط؛ بل يعيد تشكيل الإنسان نفسه.

يعلمه المسؤولية، والصبر، والتواصل، والاعتماد على الذات، والقدرة على مواجهة الآخرين، وهي المهارات التي تقول إنها لم تكن تمتلكها في بداياتها.

من امرأة تخجل من فنجان القهوة إلى امرأة تصنع الأثر

حين تنظر افتكار إلى الطريق الذي قطعته، تبدو المفارقة واضحة.

المرأة التي كانت تخجل من شرب فنجان قهوة أمام الآخرين أصبحت تستخدم فنجان القهوة نفسه لفتح حوار مع عشرات النساء.

المرأة التي كانت تخشى المواجهة أصبحت تخوض الانتخابات أربع مرات.

المرأة التي بدأت بدبلوم في المحاسبة أصبحت حاصلة على بكالوريوس في إدارة الأعمال.

المرأة التي بدأت من جمعية خيرية ومركز ثقافي أصبحت تقود مبادرات اجتماعية، وتساعد عشرات الطلبة، وتعمل مع الأسر المحتاجة، وتبحث عن مشاريع تنموية للشباب.

والمرأة التي أوقفت حياتها عاماً كاملاً لرعاية أمها حتى آخر لحظة، ثم عاشت ألم فقدها، استطاعت أن تنهض وتمنح الحياة فرصة جديدة، فتزوجت متأخراً، وأكملت الطريق مع زوجها.

وفي كل ذلك، لم تكن افتكار وحدها؛ فقد كان إلى جانبها إخوتها في البدايات، ثم زوجها في مراحل لاحقة، كما بقيت في ذاكرتها صورة شقيقها عامر، الذي ظل رفيقاً لها حتى غيبه الموت.

الخاتمة: «كل ما وقعت، أقوم وأبلش من ثاني»

ربما تختصر افتكار بني عيسى قصتها كلها في جملة واحدة:

«كل ما وقعت، أقوم وأبلش من ثاني».

ليست جملة عابرة، بل فلسفة حياة امرأة اختبرت الخجل، والمواجهة، والنجاح، والمسؤولية، والمرض، والفقد، والوحدة، والزواج المتأخر، والعمل التطوعي، والانتخابات، ثم اختارت في كل مرة أن تبدأ من جديد.

قصتها ليست قصة منصب، ولا قصة انتخابات، ولا قصة مبادرة واحدة.

إنها قصة بنت الكورة التي صنعت الأثر من تفاصيل الحياة اليومية؛ من فنجان قهوة، ومن باب بيت، ومن يد امتدت إلى محتاج، ومن فرصة تعليمية لطالب، ومن طرد وصل إلى أسرة، ومن أم بقيت إلى جانبها حتى آخر أنفاسها، ومن زوج آمنت بقدرته حتى أصبح مهندساً، ومن أخ غاب وبقي أثره.

افتكار راشد بني عيسى لم تبحث عن حياة خالية من الصعوبات، لكنها تعلمت كيف تعبر الصعوبات دون أن تفقد إنسانيتها.

وحين سقطت، نهضت.

وحين فقدت، استمرت.

وحين أُغلق باب، بحثت عن باب آخر.

وحين انتهت مرحلة، بدأت أخرى.

ولهذا، فإن قصتها لا تنتهي عند ما أنجزته، بل عند الحلم الذي لا يزال أمامها: مشروع زراعي يفتح فرصاً للشباب والعائلات، ويحول ما تملكه الأرض إلى مصدر رزق وكرامة.

فمن فنجان قهوة بدأت الحكاية، ومن الحوار ولدت المبادرة، ومن المبادرة جاء الأثر، ومن الألم ولدت قوة جديدة.

افتكار بني عيسى.. بنت الكورة التي لم تجعل من الحياة اختباراً لها فقط، بل جعلت منها فرصة لتترك وراءها شيئاً يستحق أن يبقى.

المهندس تغلب الرشدان