خاص-آلاء سلهب التميمي
من الدمج في المدرسة إلى الاستقلالية والعمل.. رئيسة جمعية الهدب: «لا نريد لأبنائنا أن يعيشوا في قالب الشفقة»
من المسرح والموسيقى إلى الفروسية والغوص، ومن مقاعد الدراسة إلى مواقع العمل، لا تتعامل الأستاذة باندا مساعدة مع دمج الأشخاص ذوي متلازمة داون باعتباره شعاراً، بل تراه ممارسة تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى المجتمع بكل تفاصيله.
باندا مساعدة، رئيسة جمعية الهدب لرعاية متلازمة داون، ومعلمة في وزارة التربية والتعليم، تعمل في مدرسة دامجة، وتخصصها الإخراج المسرحي والموسيقى. ومن خلال تجربتها التربوية والجمعوية، اختارت أن تجعل الفن والرياضة والتعليم والسياحة والعمل أدوات عملية لكسر الصورة النمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة، والانتقال بهم من دائرة الرعاية والشفقة إلى فضاء المشاركة والتمكين والاستقلال.
في هذا الحوار الخاص لموقع 22 الاعلامي والتي قامت بإعداده مديرة التحرير آلاء سلهب، تتحدث مساعدة فيه عن تجربتها مع أبناء متلازمة داون، وعن دور الأسرة في صناعة الفرق، وتجربة الدمج التعليمي، وقصص نجاح آية مخيمر وفريق الخيالة، وتجارب الغوص والعمل والمخيمات الكشفية، كما تكشف عن المبادرات التي أطلقتها الجمعية لمواجهة «ثقافة العيب»، وتوجه رسالة إلى المجتمع الأردني مفادها أن المشكلة ليست في قدرة الإنسان، وإنما في الفرصة التي نمنحها له.
س: بدايةً، من هي باندا مساعدة، وكيف تحولت تجربتك من العمل في التعليم إلى قيادة جمعية تُعنى بمتلازمة داون؟
باندا مساعدة:
أنا معلمة في وزارة التربية والتعليم، ومن حسن حظي أنني أعمل في مدرسة دامجة، وهي مدرسة أم عبيدة الثانوية المختلطة. تخصصي الإخراج المسرحي والموسيقى، ومن خلال عملي في المدرسة بدأت أعمل مع أبنائنا من ذوي الإعاقة عبر المسرح والموسيقى والاحتفالات.
اكتشفت أن الفن ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل وسيلة حقيقية لصقل الشخصية وتعزيز الثقة بالنفس ودمج الطالب مع زملائه ومجتمعه. ومن هنا أصبحت فكرة الدمج بالنسبة لي رسالة أؤمن بها وأعمل من أجلها.
وعندما انتقلت تجربتي إلى جمعية الهدب، أصبح هدفنا أوسع: أن ندمج أبناءنا من ذوي الإعاقة في المجتمع من خلال الأنشطة التطوعية والثقافية والسياحية، وأن نخرج بهم من إطار الرعاية التقليدية إلى مساحة المشاركة والإنجاز والاستقلال.
«نحن من استفدنا من متلازمة داون»
س: ما أكثر شيء اكتشفتِه في الأشخاص ذوي متلازمة داون، وشعرتِ أن المجتمع لا يراه بما يكفي؟
باندا مساعدة:
اكتشفت أمراً أقوله بكل فخر: نحن من استفدنا من متلازمة داون.
أينما تجدين كروموسوم 21 تجدين الفرح والسعادة، لكن المهم هو كيف نستطيع أن نُكيّف هذا الفرح والسعادة بطريقة راقية ومحترمة وجميلة، ونحوّلها إلى قصص نجاح حقيقية.
اكتشفت أن أبناءنا قادرون على التعلم والعمل وممارسة الرياضة والفنون والاستقلال في حياتهم اليومية، لكنهم يحتاجون إلى شخص يؤمن بهم، وإلى فرصة حقيقية ومساحة يستطيعون من خلالها إثبات أنفسهم.
من «يا حرام» إلى «انظروا ماذا يستطيعون»
س: كثيراً ما يُنظر إلى الأشخاص ذوي متلازمة داون من زاوية الرعاية والشفقة. كيف يمكن أن ننتقل من «الرعاية» إلى «التمكين»؟
باندا مساعدة:
أول خطوة هي أن نغيّر نظرتنا إليهم. نحن خرجنا من قالب الشفقة وكلمة «يا حرام»، وأصبحنا نعرض إنجازات أبنائنا بفخر وقوة.
التمكين يبدأ عندما نقول للشخص: أنت قادر، ونحن نثق بقدرتك. ثم نمنحه التعليم والتدريب والعمل والمشاركة الاجتماعية.
وأنا مصرة على أن الدمج في المجتمع هو الأساس، ودمج الأم في المجتمع هو الأساس أيضاً. إذا اندمجت الأم وتقبلت ابنها وآمنت بقدراته، تستطيع أن تقدمه للمجتمع بطريقة راقية ومميزة.
الأم.. البداية الحقيقية للدمج
س: لماذا تولين الأم تحديداً هذه الأهمية في مشروع الدمج؟
باندا مساعدة:
لأن الأم هي نقطة البداية. نحن في جمعية الهدب نعمل على تأهيل الأم، ونريد أماً مثقفة وواعية وقوية، تضع ابنها أمامها وتتباهى به، ولا تخفيه عن المجتمع.
أحياناً نتحدث مع بعض المراكز التي تسألنا: لماذا لا تأخذون مشرفات من عندنا؟ ونوضح دائماً أننا نريد الأم أن تخرج مع ابنها وتعيش معه تجربة الدمج.
إذا تقبلت الأم ابنها أولاً واندفعت به إلى المجتمع، فإنها تساعد المجتمع أيضاً على تقبله.
الدمج ليس مجرد مقعد في الصف
س: من خلال تجربتك كمعلمة في مدرسة دامجة، ما الذي يجعل الدمج التعليمي ناجحاً فعلاً؟
باندا مساعدة:
الدمج لا يعني فقط أن يجلس الطالب داخل الصف إلى جانب زملائه، بل يعني أن يكون مشاركاً حقيقياً في الحياة المدرسية.
ومن خلال تجربتي، رأيت كيف يمكن للمسرح والموسيقى والاحتفالات والأنشطة المختلفة أن تصقل شخصية الطالب وتزيد ثقته بنفسه وتساعده على التواصل مع الآخرين.
والحمد لله، قطع الأردن شوطاً رائعاً في فكرة الدمج التعليمي، رغم وجود تحديات وصعوبات ومعيقات. ووزارة التربية والتعليم تستحق التقدير على الجهود التي بذلتها في هذا المجال.
لكن طموحنا يجب ألا يتوقف عند المدرسة؛ نريد دمجاً في الجامعة والعمل والرياضة والثقافة والحياة العامة.
س: من أكثر قصص النجاح التي تفتخر بها الجمعية قصة آية مخيمر ونجاحها في الثانوية العامة. ماذا تعني لكِ هذه التجربة؟
باندا مساعدة:
آية مخيمر من القصص التي توّجت تعبنا وتعب أهلها بالنجاح في الثانوية العامة.
هذه القصة تؤكد أن الدمج عندما يكون حقيقياً يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً. ووالدتها أمل مخيمر هي أيضاً ضابط ارتباطنا في محافظة الزرقاء، وكان للدمج أثر كبير وإيجابي في رحلة آية.
نجاح آية لم يكن مجرد نجاح في امتحان؛ كان رسالة تقول إن ابنتنا قادرة، وإن إعطاء الفرصة والدعم يمكن أن يفتح أمامها أبواباً واسعة.
س: ماذا كان يعني نجاح آية لكِ شخصياً، وهل ترين أن قصتها يمكن أن تتكرر؟
باندا مساعدة:
بالتأكيد يمكن أن تتكرر. قصص النجاح لا يجب أن تبقى استثناءات، بل يجب أن تصبح نماذج قابلة للتكرار.
لدينا مواهب كثيرة بين أبنائنا، وما نحتاجه هو أن نبحث عنها ونمنحها التدريب والفرصة والدعم.
آية ليست نهاية القصة؛ هي نموذج يقول لنا إن الفرصة تصنع فرقاً.
من الفروسية إلى الغوص
س: لا تقتصر تجارب الجمعية على التعليم؛ لديكم أيضاً تجارب رياضية لافتة. ماذا أضافت الفروسية لأبنائكم؟
باندا مساعدة:
الرياضة تصنع فرقاً كبيراً في الشخصية. ومن القصص التي نفتخر بها فريق الخيالة، الذي تم تدريبه لمدة سنة ونصف كاملة على ركوب الخيل، ثم شارك في مسيرة على الخيل في عرس سمو ولي العهد.
كانت تجربة من أجمل التجارب؛ لأنها جعلت أبناءنا يظهرون أمام المجتمع باعتبارهم قادرين على المشاركة والإنجاز، وليس باعتبارهم أشخاصاً يحتاجون إلى الرعاية فقط.
س: وماذا عن تجربة آية في الغوص؟
باندا مساعدة:
آية خاضت أيضاً تجربة الغوص في العقبة، حيث تلقت تدريباً لعدة أشهر مع الكابتن عبد الله المؤمني.
هذه التجربة كانت رسالة واضحة لنا جميعاً: لا تضعوا سقفاً منخفضاً لطموحات أبنائنا.
وبالطبع، نحن لا نقدم أي نشاط بصورة عشوائية؛ كل مبادرة يجب أن تكون مدروسة، مع مراعاة إجراءات السلامة والتقييم الطبي والصحي المناسب لأبنائنا.
«أنت تستطيع».. حين يتحول التحدي إلى إنجاز
س: ماذا قدمت مبادرة «أنت تستطيع»؟
باندا مساعدة:
ضمن مبادرة «أنت تستطيع»، خاض عدد من أبناء فريق متلازمة داون تجربة إنزال جبلي من ارتفاع يقارب 30 متراً، وأبدع أبناؤنا في هذا الإنجاز.
المهم بالنسبة لنا لم يكن التحدي الرياضي فقط، وإنما الرسالة التي حملها: أن أبناءنا يستطيعون، عندما تتوافر لهم الفرصة والتدريب والإجراءات الآمنة.
المسرح والموسيقى.. لغة أخرى للدمج
س: بصفتك متخصصة في الإخراج المسرحي والموسيقى، ماذا يمكن أن يقدما للأشخاص ذوي الإعاقة؟
باندا مساعدة:
المسرح والموسيقى من أهم الأدوات التي أستخدمها في عملي التربوي. أعمل مع الحالات الخاصة من خلال المسرح والموسيقى والاحتفالات، وكان لذلك أثر كبير في صقل الشخصية ودمج أبنائنا.
الفن يمنح الإنسان مساحة للتعبير عن نفسه، ويجعله يشعر بأنه قادر على تقديم شيء يقدره الآخرون. وعندما يقف الطالب على المسرح أمام زملائه وجمهوره، فإن شيئاً كبيراً يتغير داخله؛ ثقته بنفسه، وطريقة تواصله، ونظرته إلى قدراته.
س: ما الفكرة التي حاولت جمعية الهدب أن تضيفها إلى مفهوم الدمج؟
باندا مساعدة:
أخذت جمعية الهدب على عاتقها عنواناً كبيراً هو دمج أبنائنا من ذوي الإعاقة في المجتمع، ومن العناوين التي تميزنا بها سياحة ذوي الإعاقة، إلى جانب الأنشطة التطوعية والثقافية والسياحية.
نحن لا نخرج في نشاط توعوي أو ثقافي أو سياحي لمجرد تنظيم فعالية؛ وراء كل نشاط هدف سامٍ يتعلق بالدمج وتغيير الصورة النمطية.
ومن المبادرات التي أطلقناها مبادرة «من حقي أن أعرف وطني»، ونفذنا من خلالها أنشطة ورسم جداريات في مناطق مختلفة من المملكة.
نحن نتعامل مع أبناء متلازمة داون في مختلف أنحاء المملكة، ولدينا ضباط ارتباط في عدد من المحافظات للمساعدة في ترتيب الفعاليات والتواصل مع الأسر وحصر الأعداد في تلك المناطق.
أربعة أيام في المخيم.. درس في الاستقلال
س: تحدثتِ عن المخيمات الكشفية. ما الذي جعل هذه التجربة مختلفة؟
باندا مساعدة:
المخيمات الكشفية كانت من التجارب التي أعتز بها كثيراً. شارك أبناؤنا في مخيمات عاشوا خلالها التجربة كاملة لمدة أربعة أيام، من الصباح وحتى موعد النوم.
كانوا يمارسون تفاصيل الحياة الكشفية بأنفسهم، حتى إعداد الطعام بأيديهم. والأم أيضاً كانت تدخل التجربة وتعيش أجواء المخيم بكل تفاصيلها.
هذه التجارب تعلم أبناءنا الاستقلال وتحمل المسؤولية، وتعلم الأسرة أيضاً أن ابنها قادر على القيام بأشياء ربما لم تكن تتوقعها منه.
ونفذنا هذه الأنشطة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ووزارة الشباب، ولهما كل التقدير والاحترام.
س: ما أكثر ما واجهته الجمعية على مستوى المجتمع؟
باندا مساعدة:
من أبرز التحديات التي واجهتنا ثقافة العيب، والحمد لله استطعنا أن نقطع شوطاً كبيراً في مواجهتها.
أطلقنا مبادرة «أنا إنسان»، ومبادرة «تقبلني»، وكذلك «قل ولا تقل». وكنا نذهب إلى مناطق مختلفة بالتعاون مع شرطة السياحة وشرطة البيئة، ونقدم برامج توعوية وثقافية ونتحدث مع المارة مباشرة.
كنا نقول للناس بوضوح: «أنا داون، مش منغولي». عندما تخاطبني، خاطبني بمحتواي العلمي أو بمسمّاي العلمي، ولكن لا تخاطبني بكلمة «منغولي»، لأنها كلمة تسيء إليّ وإلى أهلي.
نحن لا نصحح كلمة فقط؛ نحن نحاول أن نصحح طريقة تفكير كاملة.
ماذا تغيّر فعلاً؟
س: بعد كل هذه المبادرات، هل تعتقدين أن نظرة المجتمع الأردني تغيّرت؟
باندا مساعدة:
نعم، تغيرت، والحمد لله قطعنا شوطاً مهماً، لكن تغيير الفكر المجتمعي يحتاج إلى عمل دؤوب وتكاتف الجميع.
نحن نؤمن بالعمل الجماعي؛ يد واحدة لا تصفق. نحتاج إلى الإعلام، والدوائر الحكومية، ووزارة التربية والتعليم، والقطاع الخاص، والجمعيات والمبادرات والمجتمع المدني.
لا تستطيع جمعية واحدة أن تغيّر المجتمع وحدها.
س: تحدثتِ عن توفير فرص عمل لأبناء الجمعية. لماذا تعتبرين العمل محطة أساسية في الدمج؟
باندا مساعدة:
لأن العمل يعني الاستقلال والاعتماد على النفس والشعور بالقدرة.
هناك عدد من أبنائنا أمّنا لهم فرص عمل، وأصبحوا مستقلين ورائعين في التعامل مع المواصلات والوصول إلى أماكن العمل.
وفكرة الاستقلالية بالنسبة لنا مهمة جداً؛ لأن الدمج الحقيقي لا يعني أن يعيش الشخص دائماً معتمداً على الآخرين، وإنما أن يحصل على الأدوات التي تمكنه من القيام بما يستطيع القيام به بنفسه.
من هو «المستفيد» الحقيقي من عمل الجمعية؟
س: إذا أردتِ قياس أثر الجمعية بعيداً عن عدد الفعاليات، كيف تقيسينه؟
باندا مساعدة:
النشاط ينتهي بانتهاء الفعالية، لكن الأثر الحقيقي يبقى في شخصية الإنسان.
إذا خرج ابننا من النشاط أكثر ثقة بنفسه، أو أصبح أكثر استقلالاً، أو اكتشف موهبة لديه، أو حصل على فرصة عمل، أو أصبح أكثر قدرة على التعامل مع المجتمع، فهنا نشعر أن النشاط حقق هدفه الحقيقي.
بالنسبة لنا، النجاح ليس عدد الصور التي نلتقطها في الفعالية، وإنما ما الذي تغير في حياة الإنسان بعدها.
س: ما الإنجازات التي تعتبرينها الأكثر أهمية في مسيرة الجمعية؟
باندا مساعدة:
أعتز بتوفير فرص عمل لعدد من أبنائنا، وبقصة فريق الخيالة بعد تدريبه لمدة سنة ونصف ومشاركته في مسيرة على الخيل، وبنجاح آية مخيمر في الثانوية العامة وتجربتها في الغوص.
كما أعتز بتجربة إطلاق شيف من المدينة الوردية بالتعاون مع الشيف رامي مرقص في جمعيتنا وتقديمه بصورة راقية وجميلة.
وأعتز أيضاً بكل ابن اكتشفنا لديه قدرة جديدة، وبكل أم خرجت من دائرة الخوف والقلق إلى دائرة الثقة والفخر بابنها.
هذه بالنسبة لي هي الإنجازات الحقيقية.
ما الذي تحتاجه الجمعية اليوم؟
س: إذا كان عليكِ أن توجهي رسالة مباشرة إلى المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ماذا تطلبين؟
باندا مساعدة:
نطلب استمرار التعاون والتكاتف، وأن ننتقل من التعاطف إلى الشراكة الحقيقية.
نريد مؤسسات تؤمن بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة وتفتح أمامهم أبواب التعليم والعمل والتدريب والمشاركة.
ونحن نقدر كل جهة وقفت معنا، ومنها وزارة التربية والتعليم ووزارة الشباب ووزارة السياحة، كما نقدر الجهات التي شاركتنا في أنشطتنا التوعوية.
لكننا نحتاج إلى استمرار هذا التعاون وتوسيع مساحته، لأن تغيير الفكر المجتمعي لا يمكن أن يتحقق بجهد فردي.
ماذا عن الإعلام؟
س: أين تضعين الإعلام الأردني في معركة تغيير الصورة النمطية؟
باندا مساعدة:
الإعلام شريك أساسي.
نحن بحاجة إلى إعلام يعرض الإنجازات والقدرات، وليس فقط حالات الاحتياج. عندما يرى المجتمع شخصاً من ذوي متلازمة داون يعمل، أو يدرس، أو يمارس الرياضة، أو يشارك في نشاط ثقافي أو سياحي، تبدأ الصورة بالتغير.
نريد أن يعرض الإعلام أبناءنا من خلال ما يستطيعون فعله، لا من خلال الشفقة عليهم.
السؤال الذي تختصر به باندا تجربتها
س: عندما ترين شاباً أو فتاة من ذوي متلازمة داون يحقق إنجازاً دراسياً أو رياضياً أو مهنياً، ماذا يعني لكِ ذلك على المستوى الإنساني؟
باندا مساعدة:
يعني لي أن الإيمان بالإنسان يصنع الفرق.
عندما أرى ابننا ينجح، أشعر أن المجتمع كله ينجح معه؛ لأننا لا نغير حياة شخص واحد فقط، وإنما نغير نظرة أسرة ومجتمع كامل إلى قدراته.
وأكرر دائماً: نحن من استفدنا من متلازمة داون. هؤلاء الأبناء علمونا الفرح والإصرار والإيمان بالقدرة على تجاوز الصعوبات.
س: لو أردتِ أن تقولي كلمة واحدة لكل أسرة أردنية لديها طفل من ذوي متلازمة داون، ماذا تقولين؟
باندا مساعدة:
أقول لها: تقبليه، آمني به، ولا تخافي من المجتمع.
ضعي ابنك أمامك وتباهَي به. لا تخبئيه، ولا تجعلي الخوف من كلام الناس يحرمك ويحرم ابنك من الحياة.
عندما تتقبلين ابنك وتؤمنين بقدراته، ستساعدين المجتمع على تقبله أيضاً.
كم موهبة ما زالت تنتظر فرصتها؟
س: إذا كانت آية وأبناء الجمعية قد أثبتوا أن النجاح ممكن، فكم موهبة أخرى من الأشخاص ذوي متلازمة داون يمكن أن نكتشفها إذا منحناها فرصة حقيقية؟
باندا مساعدة:
أعتقد أن لدينا مواهب كثيرة جداً، وربما أكثر مما نتخيل، لكن بعضها ما زال ينتظر الفرصة.
آية ليست النهاية، وإنما نموذج يقول لنا إن الفرصة تصنع فرقاً. خلف كل طفل أو شاب من ذوي متلازمة داون قدرة يمكن اكتشافها، وموهبة يمكن تطويرها، وحلم يمكن أن يتحول إلى إنجاز.
رسالتي للمجتمع الأردني أن يفتح الأبواب، لا أن يضع الحواجز؛ أن يرى الإنسان قبل الإعاقة، والقدرة قبل العجز، والإنجاز قبل الشفقة.
سقف طموحنا السماء، لكننا نسير بخطى ثابتة على الأرض.
لا تختصر تجربة باندا مساعدة عمل جمعية أو مجموعة من المبادرات؛ إنها تجربة في تغيير النظرة قبل تغيير الواقع. فمن المدرسة بدأت الحكاية، حيث كان المسرح والموسيقى وسيلتين لاكتشاف القدرات وصقل الشخصية، ثم امتدت إلى الجمعية لتأخذ أشكالاً أكثر اتساعاً: سياحة، وفروسية، وغوص، ومخيمات كشفية، وفرص عمل، ومبادرات لمواجهة الصور النمطية.
وفي جوهر هذه التجربة، تبدو الأسرة نقطة البداية، والفرصة نقطة التحول، والمجتمع شريكاً في صناعة النتيجة.
أما الرسالة الأوضح التي تتركها باندا مساعدة خلف هذا الحوار، فهي أن الأشخاص ذوي متلازمة داون لا يحتاجون إلى أن نخفض سقف توقعاتنا تجاههم، بل إلى أن نرفع سقف الفرص أمامهم.
فربما لا يكون السؤال: ماذا يستطيع الشخص ذو متلازمة داون أن يفعل؟ بل: ماذا يمكن أن يفعل إذا آمنّا به ومنحناه الفرصة؟









