×
آخر الأخبار

سلهب تكتب : خلال رحلة مع "أردننا جنة" اربد .. مدينة تحفظ الذاكرة وتكتب المستقبل ... وتمزج بين عبق التاريخ ونبض الحياة

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : بقلم: آلاء سلهب التميمي / مدير تحرير موقع 22 الاعلامي

ليست المدن مجرد شوارعٍ ومبانٍ تُزار ثم تُغادر، بل هي ذاكرةٌ تمشي على الأرض، وحكاياتٌ تختبئ بين حجارتها، تنتظر من يُنصت إليها.

وهناك مدنٌ لا تستقبلك كزائر، بل تحتضنك كواحدٍ من أبنائها، فتمنحك من تاريخها ما يجعلك أكثر قربًا من الوطن، وأكثر فخرًا بانتمائك إليه. هكذا كانت إربد… عروس الشمال، التي لا تزال تروي للأجيال قصة حضارةٍ لم تنحنِ أمام الزمن، بل بقيت شامخةً تنبض بالحياة.

ضمن برنامج “أردننا جنة”، وبحسن تنظيم وإدارة من السيدة رائدة خليل، انطلقت رحلتنا برفقة الدليل السياحي محمد العياصرة، الذي لم يكن يكتفِ بسرد المعلومات، بل كان يعيد إحياء التاريخ أمام أعيننا، حتى بدت كل محطة وكأنها فصلٌ جديد من كتاب الأردن الكبير.

كانت أولى محطاتنا متحف دار السرايا، أقدم مبنى تراثي في مدينة إربد، والذي يقف منذ عام 1886 شاهدًا على تعاقب الأزمنة وتحولات المكان.

مبنىٌ عثماني الطراز، شُيّد ليكون مقرًا للحكم والإدارة، ثم تحول إلى سجن، قبل أن تستعيده دائرة الآثار العامة ليصبح متحفًا يحتضن ذاكرة الشمال الأردني، ويعرض كنوزًا أثرية تمتد من العصور الحجرية مرورًا بالحضارات اليونانية والرومانية والبيزنطية وصولًا إلى الحضارة الإسلامية.

في أروقة المتحف لم تكن القطع الأثرية مجرد معروضات صامتة، بل كانت شواهد تنطق بعظمة الإنسان الأردني، وتؤكد أن هذه الأرض كانت وما زالت مهدًا للحضارات، وأن كل حجر فيها يحمل قصة تستحق أن تُروى.

ومن التاريخ إلى الأدب، كانت محطتنا التالية بيت شاعر الأردن مصطفى وهبي التل “عرار”، حيث يقف المنزل الذي بناه والده عام 1888 شاهدًا على حياة أحد أهم رموز الشعر الأردني.

هناك، بين الفناء الحجري وشجرة التوت العتيقة، يشعر الزائر أن كلمات عرار ما زالت تتردد في أرجاء المكان، وأن الوطن الذي تغنى به الشاعر ما زال حاضرًا في تفاصيل البيت، وفي المخطوطات والمقتنيات التي تحفظ إرثه للأجيال.

ولأن الثقافة لا تعرف التقاعد، ما زال بيت عرار يحتضن الندوات والأمسيات الشعرية والفعاليات الفكرية، ليبقى منارة ثقافية تُجسد العلاقة الوثيقة بين الأدب والهوية الوطنية.

ثم واصلنا رحلتنا إلى درج إربد التاريخي (درج البلدية)، ذلك المعلم التراثي الذي لم يفقد روحه رغم مرور العقود.

درجاتٌ حجرية حفظت خطوات آلاف العابرين، وربطت الأحياء القديمة بقلب المدينة، قبل أن تعيد بلدية إربد الكبرى تأهيلها بعناية، محافظةً على طابعها العثماني الأصيل، لتصبح اليوم لوحةً تجمع بين أصالة الماضي وجمال الحاضر.

ومن بين محطات إربد التي تكشف جمال التفاصيل القديمة، كانت زيارتنا إلى بيت النابلسي، أحد أبرز المعالم التراثية في وسط المدينة، والذي يحمل بين جدرانه حكاية مرحلة مهمة من تاريخ إربد العمراني والاجتماعي.

ويتميز بيت النابلسي بطرازه المعماري الشامي الأصيل، القائم على فكرة الفناء الداخلي المفتوح، حيث تتوزع الغرف حول الحوش الذي كان يمثل قلب البيت ومكان تجمع العائلة والضيوف. ويتكون المبنى من طابقين، ويضم غرفًا للاستقبال والضيافة، إضافة إلى فرن الطابون التقليدي وبئر ماء عميق يزيد عمقه على عشرة أمتار، وهي تفاصيل تعكس طبيعة الحياة اليومية في ذلك الزمن.

وفي نهاية الجولة التاريخية، كان لا بد من محطة تمنح الرحلة مساحة من الاسترخاء والبهجة، فكانت الوجهة إلى منتجع ومسابح قصر النخيل في مدينة الرمثا، حيث امتزجت الأجواء العائلية بالمرافق الترفيهية المتميزة، ليكون ختام الرحلة متناغمًا مع رسالتها التي جمعت بين المعرفة والمتعة في آنٍ واحد.

إن ما يقدمه برنامج “أردننا جنة” يتجاوز مفهوم الرحلات السياحية التقليدية؛ فهو مشروع وطني يعيد تعريف الأردنيين بوطنهم، ويكشف لهم كنوزًا ربما مروا بجوارها سنوات دون أن يدركوا قيمتها التاريخية والثقافية.

فالسياحة الداخلية ليست ترفًا، بل استثمار في الهوية، وتعزيز للانتماء، ودعم للاقتصاد الوطني، ورسالة تؤكد أن أجمل الحكايات تبدأ من أرضنا.

ويبقى الأردن… وطنًا لا يُقاس باتساع مساحته، بل بعمق تاريخه، وغنى حضارته، وعظمة إنسانه. وكل رحلة بين مدنه ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل عودة صادقة إلى الجذور، وتجديد للعهد بأن نحافظ على إرث هذا الوطن، ونروي قصته للأجيال القادمة بكل فخر ومحبة. فالأوطان التي تعرف كيف تصون ذاكرتها، هي الأوطان القادرة على صناعة مستقبلها.