×
آخر الأخبار

العساف تكتب : الاغتراب الرقمي في العلاقات الإنسانية

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : الدكتورة فريال حجازي العساف

التغير الاجتماعي هو كل تحول يقع في بناء المجتمع أو وظائفه أو قيمه خلال فترة زمنية محددة. وفي العصر الرقمي، تتسارع هذه التحولات بفعل تكنولوجيا الاتصال الحديثة، مما يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية

 لنذهب الى ابعد من ذلك   فلم يعد التغير الاجتماعي اليوم نتاجاً لتحولات مادية بطيئة في مجتمعاتنا،  كما  شخصته نظرية كارل ماركس   ونظرية ماكس فيبر  بل بات محكوماً بـ "تسونامي رقمي" تقوده خوارزميات غير مرئية خلف الشاشات الزجاجية لهواتفنا. هذه المنصات التي ظنناها أدوات للترفيه والاتصال، تحولت إلى هندسة اجتماعية خفية تعيد صياغة وعينا وسلوكنا اليومي، وتوقعنا في فخ ما يسميه علماء الاجتماع بـ "الاغتراب الرقمي". اننا اليوم نبحث عن ذاتنا بين أروقة الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي    وكيف يرانا الاخرين  من خلف هذه الشاشات  الغزوالثقافي  الذي درسناه   بين المقررات المدرسية   لم يقتصر في وقتنا الحالي على  الثقافة والقيم   والعادات بل  أصبح  غزواً   لطريقة تفكيرنا  وأسلوب تعبيرنا  وأدوات العلاقات الاجتماعية   ، وهذا  يدعوني الى أن أطرح التساؤل  السيسيولوجي: "هل نحن من ندير شبكاتنا المهنية والاجتماعية، أم أن الخوارزميات هي من ترسم مسارات تفكيرنا وخياراتنا؟ الإجابة تقودنا الى   معضلة سوسيولوجية معقدة تُعرف بـ 'الاغتراب الرقمي

تبدأ حكاية السيطرة من تلك الصيغ البرمجية الذكية المعروفة بـ "الخوارزميات". هذه الأدوات ليست حيادية أبداً؛ بل هي أيديولوجيا تقنية مصممة بدقة متناهية لتعظيم وقت بقائك على المنصة. من خلال تتبع كل نقرة وثانية تقضيها في التصفح، تصنع لك الخوارزمية "فقاعة التصفية" الخاصة بك.

وهنا يتجلى مفهوم عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك حول "المجتمع المخاطر"؛ حيث تعزل التكنولوجيا الفرد عن التنوع الطبيعي للواقع، وتحبسه في سجن افتراضي ضيق لا يعرض له إلا ما يوافق هواه ويؤجج عواطفه، مما يغلق منافذ التفكير النقدي المشترك. ليصل الفرد الى ما يعرف ب سجن "الفقاعة الرقمية"

 

يمثل "الاغتراب الرقمي" اليوم الامتداد الحديث لمفهوم كارل ماركس عن اغتراب العامل في المصنع، لكنه ينتقل الآن إلى الفضاء الافتراضي. في هذا السياق، يقول عالم الاجتماع الفرنسي الراحل جان بودريار: "نحن نعيش في عالم يضم كتلًا متزايدة من المعلومات، وكتلًا متناقصة من المعنى".

في الفضاء الرقمي، لست أنت المستهلك، بل أنت "السلعة". يتم تفكيك سلوكك ومخاوفك واهتماماتك لتُباع على شكل "بيانات سلوكية" لشركات الإعلانات. هذا الاستلاب المستمر يفقد الفرد سيادته على خياراته المستقلة، ليجد نفسه منساقاً خلف "تريندات" وهمية صممتها خوارزمية هدفها الأول والآخر هو الربح المادي. ليصل الامر الى  ما يسمى  بعلم الاجتماع الحديث بتسليع الوجود الإنساني، مرة أخرى  السؤال الذي يطرح  نفسه في  هذا الاطار  ما اثار التحكم  الخوارزمي على الفرد ؟ لتأتي الإجابة من خلال تحليلين  أولهما  الشعور بالاغتراب عن الاخرين  ويظهر هذا  جلياً من خلال استبدال اللقاءات الإنسانية  بتفاعلات رقمية عابرة وسطحية. وهذا ما عبّر عنه  عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في أطروحته "الحداثة السائلة" بقوله: "في الشبكات الاجتماعية، من السهل جداً أن تجد أصدقاء، لكن من الأسهل بكثير أن تتخلص منهم بنقرة واحدة. الروابط الرقمية لا تخلق تضامناً حقيقياً، بل تمنح وهماً بالانتماء".  اما التأثير الأهم  من السابق  هو الشعور بالاغتراب عن الذات: وهو الأخطر؛ حيث يضطر الأفراد إلى صياغة "هويات مزيفة " ومثالية للحصول على القبول الرقمي (الإعجابات)، مما يخلق فجوة حادة وصراعاً صامتاً بين الشخصية الحقيقية والشخصية الافتراضية. وهذا يقودنا  الى تساؤل   ما الحل   للتخلص من هذه الظواهر المستجدة ؟   نحتاج بلا شك وعي نقدي جديد   لكي نواجه هذا الاغتراب   وهذا الا يعني  الدعوة إلى قطيعة تكنولوجية تائهة، بل تقتضي بناء "وعي سوسيولوجي نقدي" بكيفية عمل الرأسمالية الرقمية. إن فهمنا لكيفية توجيه الخوارزميات لسلوكنا هو الخطوة الأولى لاستعادة سيادتنا على عقولنا وحياتنا الاجتماعية.لقد تحولنا من مجتمع يبني شبكات التواصل، إلى مجتمع تعيد شبكات التواصل بناءه. وإذا لم ننتزع زمام المبادرة المعرفية والوعي الذاتي، سنستيقظ يوماً لنجد أننا أصبحنا مجرد أرقام صماء في خوارزميات الآخرين.