بقلم : رشدي القرالة
ليست كل الأمم محظوظة بأن تمتلك رواية متماسكة لتاريخها، ولا كل الدول استطاعت أن تصوغ لنفسها هوية عصية على التبدد وسط زلازل السياسة وتقلبات الجغرافيا، إلا أن الأردن، كتب حكايته بمداد الحكمة، وحفر مكانته في إقليم شديد الاضطراب بإرادة دولة تعرف ماذا تريد، وإلى أين تمضي، وكيف تحمي مصالحها في زمن تتهاوى فيه اليقينيات وتتبدل فيه التحالفات والخرائط.
وحين يلتقي "ثلاثية المجد الأردني"...عيد الجلوس الملكي وذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش، فإن المشهد يتجاوز حدود المناسبة إلى استحضار معاني الدولة في أبهى صورها، شرعية تاريخية ضاربة في عمق الوجدان العربي، وقيادة تمتلك وضوح الرؤية وصلابة الموقف، وجيشاً عربياً ظل عنواناً للهيبة والانضباط والوفاء.
سبعة وعشرون عاماً مضت منذ أن تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، والمنطقة من حوله لم تعرف السكون يوماً.. عواصف سياسية هوجاء، وحروب أنهكت دولاً وشعوباً، ومشاريع إقليمية متصارعة، وأزمات اقتصادية عالمية متلاحقة، فيما كان الأردن يمضي بخطى الدولة الواثقة، لا تنكفئ أمام الضغوط، ولا تتخلى عن ثوابتها، ولا تسمح للعواصف أن تنتزع منها بوصلتها الوطنية.
في السياسة، لم يكن الأردن يوماً دولة تابعة لقرار الآخرين، ولم يتعامل مع موقعه الجغرافي باعتباره عبئاً، وإنما حوّله إلى مساحة تأثير وحضور، انتهج مدرسة سياسية قائمة على الاتزان لا التردد، وعلى الحكمة لا المساومة، وعلى الدفاع عن المصالح الوطنية دون ضجيج أو استعراض، لذلك بقي صوته مسموعاً، وبقيت مواقفه محل احترام.
وفي قلب هذه المعادلة، ظلت القضية الفلسطينية الثابت الذي لم يتزحزح، قضية ترتبط بالتاريخ والهوية والوجدان والمسؤولية، ومن هنا جاء الموقف الأردني واضحاً وحاسماً في الدفاع عن القدس ومقدساتها، وفي مواجهة كل المحاولات الرامية إلى تصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو فرض الوقائع بالقوة.
ولعل ما يميز التجربة الأردنية خلال العقود الماضية أنها لم تنشغل بإدارة الأزمات فحسب، وإنما نجحت في حماية فكرة الدولة ذاتها، ففي وقت كانت فيه دول تتآكل من الداخل، وتحترق بنيران الانقسامات والصراعات، حافظ الأردن على تماسك مؤسساته، وعلى هيبة القانون، وعلى استقرار بنيانه الوطني، وهذه ليست مسألة عابرة في منطقة دفعت أثماناً باهظة نتيجة انهيار مفهوم الدولة فيها.
أما الجيش العربي، فهو أحد أعمدة الرواية الوطنية ذاتها، فمنذ البدايات الأولى، ارتبط اسمه بالشرف والانضباط والتضحية، وظل حارساً للسيادة، وسوراً منيعاً أمام الأخطار، ورمزاً لهيبة الدولة وصلابة حضورها، وفي زمن تتكاثر فيه التهديدات وتتشابك فيه التحديات، يواصل الجيش أداء رسالته بصمت الواثقين وإخلاص المؤمنين بأن حماية الوطن شرف لا يضاهيه شرف.
وعندما تعود الذاكرة إلى الثورة العربية الكبرى، فإنها تستحضر الفكرة التي أنجبت الدولة الأردنية، فكرة التحرر والكرامة والنهضة وبناء الإنسان، ومن رحم تلك الرسالة الهاشمية وُلد الأردن، حاملاً مشروعاً سياسياً وأخلاقياً ظل متمسكاً به رغم تغير الأزمنة وتبدل الظروف.
اليوم، يقف الأردن في منطقة تعج بالتحديات، لكنه يقف بثبات دولة تعرف وزنها الحقيقي، وتدرك أن قوتها في صلابة مؤسساتها، وحكمة قيادتها، ووعي شعبها، وكفاءة جيشها، دولة تُبنى على التراكم، وتُدير شؤونها بمنطق المسؤولية التاريخية.
وفي هذه المناسبات الوطنية الثلاث، يجدد الأردنيون العهد مع قصة وطن أثبت أن الشرعية حين تقترن بالإنجاز تصبح قوة، وأن القيادة حين تمتلك الرؤية تصبح ضمانة، وأن الجيوش حين تتسلح بالعقيدة والانتماء تصبح حصناً لا يُخترق.
هكذا هو الأردن، دولة لم تسمح للرياح أن تقتلع جذورها، ولم تسمح للأزمات أن تصادر قرارها، ولم تسمح للمتغيرات أن تبدد هويتها... دولة كتبت اسمها بالحكمة حين أخطأ الآخرون، وبالثبات حين تراجع الآخرون، وبالكرامة الوطنية حين اختار الآخرون طرقاً أقل كلفة وأكثر هشاشة.
إنها حكاية وطن تقاس بعمق الأثر، وبقدرته الاستثنائية على تجاوز التحديات... حكاية دولة ما زالت، بعد كل ما مرّ بها وحولها، ترفع رأسها عالياً وتقول للعالم "هنا الأردن... وهنا إرادة لا تنكسر".






