×
آخر الأخبار

كبسولة الكوكب الرقمية في البترا 2015، وصندوق الأرض الأسود 2026 بأستراليا

{title}
22 الإعلامي   -

في وقتٍ تتسارع فيه التحديات البيئية والمناخية حول العالم، وتتزايد فيه الحاجة إلى حفظ البيانات والمعرفة الإنسانية للأجيال القادمة، برزت خلال السنوات الأخيرة مشاريع دولية تتجه نحو فكرة “توثيق ذاكرة الأرض” على المدى الطويل، عبر أنظمة أرشفة ضخمة تهدف إلى حفظ سجل الكوكب وتغيراته.

ومن بين هذه الاتجاهات الحديثة، ظهر مشروع عالمي في عام 2021 حمل اسم “Earth’s Black Box – صندوق الأرض الأسود”، كمنشأة علمية تهدف إلى تسجيل بيانات المناخ والتغيرات البيئية بشكل مستمر، لتكون مرجعاً مستقبلياً لفهم مسار الإنسان مع كوكبه.

وقد شهد المشروع لاحقاً مراحل من التباطؤ وإعادة التقييم في التنفيذ خلال السنوات التالية، قبل أن يعود إلى مسار الاستئناف وإعادة الإطلاق التدريجي في منتصف عام 2026 ضمن تحديثات جديدة في خطته العلمية والتشغيلية.

لكن قبل هذا التوجه بسنوات، طُرحت في الأردن عام 2015 رؤية بحثية مبكرة تحمل مفهوماً قريباً من هذا الاتجاه، ضمن مشروع عُرف باسم “الكبسولة الرقمية في البترا”.

فكرة أردنية مبكرة لحفظ ذاكرة الأرض:
المشروع الذي طُرح في الأردن عام 2015 جاء ضمن إطار بحثي وفكري قدّمه كل من البروفيسور محمد الفرجات/جامعة الحسين بن طلال والباحث مأمون النوافلة، حيث انطلقت الفكرة من تصور يقوم على إنشاء “ذاكرة رقمية طويلة الأمد” تحفظ المعرفة الإنسانية والتجارب البشرية والتغيرات البيئية.

واعتمدت الرؤية على مفهوم أساسي يتمثل في أن الإنسان بحاجة إلى سجل معرفي ممتد عبر الزمن، يوثق ما يجري على الأرض من تحولات علمية وبيئية وحضارية، بحيث يصبح مرجعاً للأجيال المستقبلية.

ولم يكن الطرح مجرد فكرة تقنية، بل حمل بعداً فلسفياً أوسع يتعلق بمسؤولية الإنسان تجاه توثيق أثره على الكوكب، وضمان عدم ضياع المعرفة عبر الزمن.

جوهر المشروع كما طُرح عام 2015:
تضمن التصور العام للمشروع مجموعة من الأهداف الفكرية والمعرفية، من أبرزها:
إنشاء أرشيف رقمي طويل الأمد للمعرفة الإنسانية
توثيق التغيرات البيئية والمناخية
حفظ البيانات المتعلقة بالحياة على الأرض
بناء نموذج “ذاكرة كوكبية” قابلة للاستمرارية
ربط المعرفة الحديثة بفكرة المسؤولية التاريخية تجاه المستقبل

كما ارتبط الطرح بموقع البترا بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، يحمل قيمة تاريخية ومعرفية يمكن أن تعزز فكرة حفظ الإرث الإنساني في سياق عالمي.

“صندوق الأرض الأسود” العالمي: توجه لاحق لفكرة مشابهة
في عام 2021، جرى الإعلان عن مشروع Earth’s Black Box كمبادرة علمية بيئية دولية، أطلقتها مؤسسة بحثية وفنية أسترالية تُدعى Collective March، بالتعاون مع علماء من جامعة تسمانيا وشركاء أكاديميين.

ويقوم المشروع على إنشاء هيكل فولاذي ضخم يعمل كسجل دائم لبيانات الأرض، يتم تزويده بشكل مستمر بمعلومات علمية تتعلق بالمناخ والبيئة والنشاط البشري.
ويهدف المشروع إلى توثيق مجموعة واسعة من البيانات، من بينها:
درجات حرارة الأرض والمحيطات
مستويات ثاني أكسيد الكربون
التغيرات البيئية والتنوع الحيوي
استهلاك الطاقة والموارد
الانقراضات البيئية
التحولات الصناعية والاقتصادية

والغاية الأساسية منه هي توفير “ذاكرة صلبة للكوكب”، تساعد في فهم كيف تعاملت البشرية مع التغيرات البيئية خلال مرحلة حرجة من تاريخ الأرض.

تشابه الفكرة واختلاف المسار
رغم اختلاف السياق الزمني وآليات التنفيذ، فإن هناك تقاطعاً واضحاً في الرؤية العامة بين الطرحين، يتمثل في فكرة أن:
المستقبل يحتاج إلى ذاكرة موثقة تحفظ التجربة الإنسانية والبيئية للأرض.

لكن مسارات التطوير كانت مختلفة:
الطرح الأردني جاء في مرحلة مبكرة كتصور بحثي وفلسفي
بينما المشروع العالمي تطور لاحقاً ضمن إطار مؤسسي دولي، مع مراحل تنفيذ شهدت تباطؤاً ثم إعادة إطلاق وتحديث في 2026
أهمية الطرح الأردني في سياقه المبكر.

تكتسب مبادرة “الكبسولة الرقمية في البترا” أهميتها من كونها تعكس رؤية مبكرة لاتجاه عالمي لاحق، يتمحور حول حفظ الذاكرة الكوكبية طويلة الأمد.

وهو ما يعكس حضور أفكار بحثية في المنطقة العربية تسعى إلى مقاربة قضايا المستقبل من زاوية معرفية وفلسفية، حتى وإن لم تتحول جميعها إلى مشاريع تنفيذية مكتملة.

تؤكد هذه الحالة أن الأفكار الكبرى غالباً ما تظهر بشكل متقارب في أكثر من مكان وزمان، لكن مسار تحولها إلى مشاريع عالمية يعتمد على البيئة المؤسسية الداعمة، والشراكات العلمية، والتمويل المستدام.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بمن سبق إلى الفكرة بقدر ما يتعلق بكيفية تطورها وتحولها إلى مشروع يخدم المعرفة الإنسانية على نطاق عالمي.

ولا يوجد ما يمنع لإستئناف العمل على المشروع في البترا حاضرة التاريخ.