بقلم : ليندا المواجدة
لم يعد المحتوى الذي يُقدَّم عبر المنصات الرقمية مجرد مادة ترفيهية عابرة، بل أصبح أحد أبرز المؤثرات التي تُشكّل الوعي وتعيد صياغة الأفكار والمواقف، خصوصًا لدى الأطفال الذين لا يزال وعيهم في طور التكوين.
وفي الفترة الأخيرة، استدعت موجة انتشار بعض المحتويات الرقمية الموجهة للأطفال تحذيرات متزايدة من مخاطر ما يُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد رصد فيديوهات كرتونية تبدو بريئة في ظاهرها لكنها تحمل رسائل غير مناسبة قد تؤثر سلباً على نفسية الأطفال وسلوكهم.
فمن أكثر الأمور المقلقة اليوم تلك الفيديوهات التي تنتشر بكثرة على مواقع التواصل، والتي تُحوّل الفواكه أو الحيوانات أو الشخصيات الكرتونية إلى شخصيات تتحدث وتتصرف بعلاقات وسلوكيات وإيحاءات لا تناسب الأطفال. ويتم تقديم هذا المحتوى داخل قالب كوميدي أو ترفيهي جذاب، فيعتاد الطفل على مشاهد ومفاهيم لا يدرك أبعادها الحقيقية.
كما أن بعض هذا المحتوى يُبث في قالب كرتوني موجه للأطفال، لكنه يتضمن رسائل وتعبيرات تتجاوز وعي الطفل ومرحلته العمرية، ويتم تمريرها بصورة غير مباشرة داخل مشاهد وأغانٍ وشخصيات تبدو بريئة للوهلة الأولى ، وقد تحمل بعض هذه المقاطع مضامين وإيحاءات لا تتوافق مع القيم المجتمعية، أو تقدم مفاهيم وسلوكيات بصورة تجعلها تبدو أمراً طبيعياً ومقبولاً.
والمشكلة ليست في الفواكه أو الحيوانات أو الرسوم المتحركة بحد ذاتها، بل في الرسائل التي تُمرَّر من خلالها، وفي محاولات التأثير على الوعي وتطبيع بعض السلوكيات والأفكار تحت غطاء الترفيه.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الرسائل الصريحة، بل في ذلك النوع “الناعم” من المحتوى الذي يتسلل إلى العقول بهدوء حتى يصبح مألوفًا ومقبولًا مع الوقت. فالطفل لا يتعامل مع هذه المواد بوصفها رسائل موجهة، بل يتلقاها كجزء طبيعي من المحتوى الذي يشاهده يومياً.
كما تتحمل الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولية كبيرة في تعزيز الوعي الرقمي ومتابعة ما يتعرض له الأطفال عبر الشاشات، لأن حماية الوعي اليوم لا تقل أهمية عن حماية القيم، ولأن أخطر التأثيرات ليست دائمًا تلك التي تُفرض بشكل مباشر، بل تلك التي تتسلل بهدوء حتى تُعيد تشكيل القناعات والسلوك دون أن يشعر الإنسان
قد يظن البعض أنها مجرد فيديوهات عابرة أو مشاهد كرتونية للتسلية، لكن الحقيقة أن ما يُبث يومياً عبر الشاشات ليس أمراً بسيطاً يمكن تجاهله ، فحين تتحول الفواكه والحيوانات والشخصيات الكرتونية إلى وسيلة لتمرير رسائل وسلوكيات وأفكار معينة، يصبح من الضروري التوقف أمام هذا المحتوى وقراءته بوعي أكبر ، فالتأثير لا يقتصر على الأطفال وحدهم، بل يمتد إلى الكبار أيضاً، لأن التكرار يصنع الألفة، وما يبدو غريباً اليوم قد يصبح عادياً غداً.
لذلك فإن حماية الوعي لم تعد مسؤولية فردية، بل مسؤولية مجتمعية تبدأ من إدراك أن ليس كل ما يُقدَّم على أنه ترفيه هو بريء أو خالٍ من الرسائل والتأثيرات .






