بقلم : الإعلامية راما مراد الزعبي
مع خروج آخر المنتخبات العربية، أُغلقت صفحة المنافسة العربية في كأس العالم، لتبدأ مرحلةٌ أكثر أهمية؛ مرحلة المراجعة، واستخلاص الدروس، وقراءة المشهد بعيدًا عن لغة النتائج. فالبطولات لا تُخلَّد بمن يرفع الكأس وحده، وإنما بما تتركه من أثر، وما تكشفه من حقائق، وما تمنحه للشعوب من دروسٍ تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ورغم انتهاء المشوار العربي، فإن الخسارة لم تكن كاملة. فقد رسمت الجماهير العربية مشهدًا استثنائيًا من الالتفاف والوحدة، تجاوز حدود الجغرافيا واختلاف الأعلام، حتى لم يعد التشجيع حكرًا على منتخبٍ بعينه، وإنما امتد لكل من حمل الراية العربية. وأصبح انتصار أي منتخب عربي مصدر فخرٍ للجميع، فيما تحولت الخسارة إلى مسؤوليةٍ جماعية، في صورةٍ أكدت أن الانتماء الرياضي قادرٌ على توحيد الشعوب متى انتصر الوعي على التعصب.
وكان ذلك، في تقديري، المكسب العربي الحقيقي؛ مكسبٌ لا تعكسه جداول النتائج، لكنه يؤكد أن الرياضة ما تزال قادرة على جمع الشعوب عندما تُمارس بروحها الأصيلة، بعيدًا عن كل أشكال الانقسام.
إعلاميًا، لم تكن البطولة مجرد منافسة على لقب عالمي، وإنما كانت اختبارًا حقيقيًا لرسالة الإعلام الرياضي. فالإعلام لا يُقاس بقدرته على نقل النتيجة فحسب، وإنما بقدرته على تفسير الحدث، وقراءة أبعاده، وصناعة وعيٍ يحترم المنافس، ويبتعد عن تأجيج التعصب أو تحويل الخسارة إلى مادةٍ للاتهام والإحباط. فالمهنية الحقيقية تظهر عندما يتحول الإعلام إلى شريكٍ في بناء الثقافة الرياضية، لا مجرد ناقلٍ للمشهد.
وفي المقابل، يشهد المشهد الرياضي العالمي تصاعدًا في الخطابات السياسية، وظهورًا لمظاهر العنصرية والاستقطاب، حتى باتت بعض المنافسات تُقرأ من زاوية الهوية أكثر مما تُقرأ من زاوية الأداء. والمفارقة أن الجماهير العربية، على اختلاف دولها، قدّمت خلال البطولة درسًا في وحدة المشاعر والالتفاف حول ممثليها، في وقتٍ عجزت فيه بعض المنصات الرياضية والإعلامية عن حماية الرياضة من التسييس، والحفاظ على رسالتها بوصفها مساحةً للتقارب الإنساني لا ساحةً للخلاف.
ومن هنا، فإن الحديث عن خروج المنتخبات العربية لا ينبغي أن يتوقف عند صافرة النهاية، لأن المشكلة لا تكمن في خسارة مباراة، وإنما في تكرار الأخطاء ذاتها مع كل بطولة. فالمنتخبات التي تنافس اليوم على الألقاب لم تصل إلى القمة بالمصادفة، وإنما بنت نجاحها على مشاريع رياضية واضحة، واستثمرت في المواهب، ورسخت ثقافة العمل المؤسسي، وآمنت بأن الإنجاز يُصنع على مدى سنوات، لا خلال تسعين دقيقة.
وفي المقابل، لا تقل مسؤولية الجماهير عن مسؤولية المنتخبات. فالتشجيع الحقيقي لا ينتهي مع صافرة الوداع، والنقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى إساءة أو تشكيك أو تقليلٍ من الجهود. أما الجمهور الواعي، فهو شريكٌ في صناعة الإنجاز، لأنه يدرك أن دعم المنتخبات في لحظات الإخفاق لا يقل أهمية عن الاحتفاء بها في لحظات الانتصار.
كما أن مسؤولية المنتخبات لا تنتهي بانتهاء البطولة، فكل مشاركة تحمل درسًا، وكل إخفاق يفتح بابًا للتطوير، وكل تجربة تمثل فرصةً جديدة لإعادة البناء. وما ينتظره الشارع العربي ليس إنجازًا عابرًا، وإنما مشروعًا رياضيًا متكاملًا يجعل المنافسة على الألقاب ثقافةً راسخة، لا استثناءً مؤقتًا.
قد تغادر المنتخبات البطولة، وقد تُطوى صفحة كأس العالم، لكن ما لا ينبغي أن يغادر هو الدرس. فالإنجازات لا تُبنى بالاحتفال بعد الفوز، ولا بتبرير الخسارة، وإنما بالتخطيط، والعمل، والاستمرارية.
خرج العرب من كأس العالم، لكن الدرس الأكبر بقي حاضرًا: الرياضة لا تصنعها الكؤوس وحدها، وإنما تصنعها العدالة، والاحترام، وثقافة العمل، والإيمان بأن الطريق إلى منصات التتويج يبدأ قبل البطولة بسنوات. وعندما تنتصر هذه القيم، يصبح الإنجاز مسألة وقت، لا مجرد أمنية.






