×
آخر الأخبار

ذاكرة لا تشيخ.. سر تعلق الإنسان بأشيائه القديمة في زمن السرعة

{title}
22 الإعلامي   -

في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، وتتحول فيه كثير من تفاصيل الحياة إلى صيغة رقمية، ما زالت الأشياء القديمة تحتفظ بحضورها الخاص لدى الإنسان، فصورة ورقية، أو كتاب مستعمل، أو قطعة أثاث عتيقة، أو أداة تراثية قد لا تحمل قيمة مادية كبيرة، لكنها تختزن ذكريات وتجارب ومشاعر تجعلها أكثر من مجرد مقتنيات.

ويعكس التعلق بهذه الأشياء حاجة إنسانية عميقة إلى الاحتفاظ بجزء من الماضي واستعادة مشاعر مرتبطة بمراحل وتجارب سابقة، إذ تمنح هذه المقتنيات أصحابها شعوراً بالاستمرارية والانتماء في عالم تتغير فيه التفاصيل بسرعة، فتغدو بمثابة جسور تربط الحاضر بالذكريات وتحفظ قصصاً شخصية وعائلية لا يمكن للبدائل الحديثة أن تعوضها.

الذكريات تمنح الأشياء قيمة تتجاوز مادتها

لا يرتبط تعلق الإنسان بالأشياء القديمة بشكلها فقط، بل بما تحمله من قصص وذكريات شخصية وجماعية، وتشير دراسات في علم النفس إلى أن الأشياء المرتبطة بتجارب الماضي يمكن أن تعمل كـ “مثيرات للذاكرة”، إذ تساعد على استحضار مشاعر وأحداث مرتبطة بمراحل مهمة من حياة الإنسان.

وبينت دراسة نشرت في مجلة “Memory” العلمية مؤخراً أعدها باحثون من جامعة آيندهوفن للتكنولوجيا في هولندا، أن استدعاء الذكريات الشخصية من خلال الأشياء المادية يمكن أن يعزز الإحساس بالهوية والاستمرارية الذاتية، لأن الإنسان يرى في بعض مقتنياته امتداداً لتجربته الشخصية وليس مجرد أدوات قابلة للاستبدال.

ويرى باحثون في علم النفس أن الحنين إلى الماضي ليس مجرد رغبة في العودة إلى زمن سابق، بل قد يكون وسيلة تمنح الإنسان شعوراً بالترابط والمعنى، وخاصة خلال فترات التغير أو عدم الاستقرار.

الحنين إلى الماضي في مواجهة سرعة العصر الرقمي

مع انتشار الهواتف الذكية والتخزين الإلكتروني، تغيرت طريقة احتفاظ الناس بذكرياتهم، فأصبحت آلاف الصور محفوظة في الأجهزة والمنصات الرقمية، إلا أن كثيرين ما زالوا يفضلون الصور المطبوعة والألبومات القديمة لما تمنحه من تجربة ملموسة.

وأشارت أبحاث في مجال علم النفس الاجتماعي إلى أن الحنين يمكن أن يؤدي دوراً إيجابياً في تعزيز الشعور بالانتماء وتقوية الروابط الاجتماعية، ووفق دراسة للباحث كونستانتين سيديكيدس وفريقه البحثي في جامعة ساوثهامبتون (University of Southampton) في المملكة المتحدة نشرت في مجلة “Personality and Social Psychology Bulletin” العلمية، فإن استحضار الذكريات الجميلة من الماضي يساعد على زيادة الإحساس بالاستمرارية والارتباط بالآخرين.

ويفسر مختصون استمرار الإقبال على الأشياء القديمة، رغم توفر بدائل حديثة، بأن الإنسان لا يبحث دائماً عن الوظيفة العملية للشيء، بل عن المعنى العاطفي الذي يحمله.

التراث والهوية.. عندما تتحول الأشياء القديمة إلى ذاكرة جماعية

لا تقتصر قيمة الأشياء القديمة على الجانب الفردي، إذ تمثل بعض المقتنيات جزءاً من ذاكرة المجتمعات وثقافتها، فالأدوات التقليدية والحرف اليدوية والملابس التراثية والمخطوطات القديمة تسهم في نقل صورة عن حياة الأجيال السابقة وتحافظ على عناصر من الهوية الثقافية.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” أهمية صون التراث الثقافي المادي وغير المادي، باعتباره عنصراً أساسياً في الحفاظ على التنوع الثقافي ونقل المعرفة بين الأجيال.

وفي السنوات الأخيرة، شهد العديد من المجتمعات عودة الاهتمام بترميم القطع القديمة وإعادة استخدامها، ليس فقط لأسباب جمالية، وإنما باعتبارها وسيلة للحفاظ على الذاكرة ومواجهة ثقافة الاستهلاك السريع.

ورغم التحولات الكبيرة التي أحدثتها التكنولوجيا في أسلوب حياة الإنسان، فإن العلاقة مع الماضي لم تختف، بل أخذت أشكالاً جديدة، فالأشياء القديمة لا تبقى بسبب قدمها فقط، وإنما لأنها تحمل قصصاً وذكريات تمنح الإنسان شعوراً بالانتماء والاستمرارية.

وبين عالم يتغير بسرعة وحاجة الإنسان إلى جذوره، تظل بعض الأشياء شاهدة على أن القيمة الحقيقية لا تقاس بعمر الشيء أو سعره، بل بما يحمله من معنى.

سانا