بقلم : مؤمن الرشدان
مع إسدال الستار على كأس العالم، يبقى المشهد الأجمل ليس في الكأس التي يرفعها البطل، ولا في الألعاب النارية التي تملأ السماء، بل في تلك اللحظات التي جعلت ملايين البشر، على اختلاف أوطانهم ولغاتهم وثقافاتهم، يعيشون المشاعر نفسها في الوقت نفسه. تلك هي الرسالة الحقيقية لكرة القدم؛ أن تجمع ولا تفرّق، وأن تزرع الفرح لا الكراهية.
لكن هذه الرسالة النبيلة تعرضت، خلال البطولة، للكثير من التشويه. فبدل أن يبقى التنافس داخل حدود المستطيل الأخضر، خرج إلى ساحاتٍ لا علاقة لها بالرياضة، وأصبح البعض يربط نتائج المباريات بالمواقف السياسية، أو بالخلافات التاريخية بين الدول، أو بالانتماءات الدينية، أو حتى بالمقارنات الاقتصادية ومستوى الثراء والفقر وكأن مباراة كرة قدم أصبحت وسيلة لإثبات تفوق شعب على آخر، أو انتصار فكر على فكر، بينما الحقيقة أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء داخل الملعب
إن الرياضة ليست امتدادًا للصراعات السياسية ولا ساحةً لتصفية الحسابات ولا منبرًا لإثارة النعرات الدينية أو العنصرية فاللاعب الذي يرتدي قميص منتخب بلاده لا يحمل إلى أرض الملعب ملفات السياسة، ولا خلافات الحكومات ولا النزاعات بين الشعوب، وإنما يحمل حلمًا رياضيًا صنعه بالتعب والالتزام والسنوات الطويلة من العمل
وما يزيد الأمر أسفًا أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة خصبة لخطاب الكراهية، حيث تحوّل النقد الرياضي عند البعض إلى إساءة والسخرية إلى تنمر والاختلاف في التشجيع إلى خصومة شخصية يُهاجَم لاعب بسبب خطأ، ويُحتقر منتخب بسبب خسارة، وتُوجَّه الإهانات إلى شعوب كاملة بسبب نتيجة مباراة لا تتجاوز تسعين دقيقة.
لقد شاهدنا جماهير راقية صفقت لمنافسيها احترامًا للأداء، كما شاهدنا جماهير أخرى اختارت طريق الاستفزاز والإساءة وربط كل هدف وكل خسارة بقضايا لا تمت لكرة القدم بصلة. وهنا يكمن الفرق بين التشجيع الحقيقي والتعصب فالمشجع الواعي يحتفل بفوز فريقه دون أن ينتقص من كرامة الآخرين، ويحزن على الخسارة دون أن يبحث عن شماعات السياسة أو الدين أو الاقتصاد لتبريرها
كرة القدم لم تُخلق لتقسم العالم إلى معسكرات متخاصمة، بل لتمنح الناس فرصة للاحتفال بالتنوع، ولإثبات أن المنافسة يمكن أن تكون شريفة، وأن الاختلاف لا يمنع الاحترام. فمن الطبيعي أن تختلف ميولنا، لكن ليس من الطبيعي أن تتحول هذه الميول إلى كراهية أو استعلاء أو إساءة
فلنختلف في التشجيع كما نشاء، ولنفرح ونحزن كما نشاء، لكن لنبقَ متفقين على حقيقة واحدة أن كرة القدم أجمل من أن تُختزل في خلاف سياسي، أو انقسام ديني، أو مقارنة اقتصادية، أو خطاب عنصري. إنها لعبة صنعت لتقريب الشعوب، فلا نجعلها سببًا في زيادة المسافات بينها.






