بقلم : رحمه العمرات / ناشطة حقوقية
نتيجة تكاتف عدة جهاتٍ تنادي بإدماج الشباب بمساحات المشاركة ودفعهم إلى ساحات صنع القرار وإنماء أفكارهم وقدراتهم في ميادين المؤتمرات والورش التدريبية والبرامج السياسية ، فقد شهدت مجتماعتنا مشاركات عدة من مختلف الأعمار والطاقات وهو في الواقع أمر مُستحسن ويستحق الإشادة فلا يُتصور وجود تطور او تقدم إن لم ينخرط الشباب في صناعة القرار بين إبداء رأي ومناقشة آخر ،فمن هذه الهمم نُمهّد لجيلٍ واعٍ على درجة من الوعي والمعرفة ومستعد لتولي مواقع صنع القرار لا مجرد مشارك فحسب ، إلا أنه مع إتساع هذه المشاركة في الآونة الاخيرة برزت ظاهرة تستحق التفكر ألا وهي هل اصبح بعض الشباب يشارك من اجل صنع وعي ام محتوى ؟
لا نُنكر أن توثيق المشاركة أمرٌ طبيعي وتحفيزي للعديد من الشباب لِما تُسهمه من نشر في الوعي وتشجيعٌ للآخرين على الإنخراط في الأنشطة والورش فكل مشاركة تحمل خلفها أثر فالمُحيطين إلا أن الإشكالية المطروحة تتفاقم عندما تتحول وظيفة الصورة من وسيلة الى غاية ، فتلقى يد الشاب -الذي نراهن عليه- مشغولة في تسجيل الفيديوهات وتوثيق الصور والستوريات دون أن يطرح فكرة او يثير التساؤلات، مما يجعل قاعة الملتقى جلسة تصوير شخصية يَتَنقل بين ثناياها خلف الإضاءة تاركاً المحتوى حبيس شاشة العرض وعقول المُحاضرين لأنه في هذه اللحظة أصبح الظهور لديه هدفاً يفوق اللحظة ويٌقاس فيها نجاح الشاب وتأثيره بعدد الدعوات وكمية الصور ومقدار المشاركات على صفحات التواصل الإجتماعي لا بما أضافه إلى الحوار او اذاعه من أفكار او عاد به الى محيطه من معرفة وأثر .
وفي حقيقة الأمر الناشط الحقيقي لا يُصنع بعدسة الكاميرا ، فالتأثير الحقيقي يبدأ خلف الكواليس بشحذ مهاراته بالقراءة والبحث والقدرة على طرح الأسئلة والإستماع الى الآخرين والمُساهمة في بناء الحلول الواقعية فهي بالنتيجة تكليف لا تشريف ، ولا جدال أن العديد من الجلسات تكون ذات غاية أو أُخرى تُسهم في صنع سياسة عامة او تعكس تأثير على القوانين والأنظمة على المدى القريب او البعيد ، وجميعها غايات جوهرية لن تَتحقق او ترى النور إلا اذا تكاتفت الجهود بشكل جدي لتحقيق اقصى استفادة من الطاقات والمهارات الشبابية التي نراهن عليها .
ولعلَّ ما يدعو الى القلق أن العديد من المنصات باتت تكرر الوجوه ذاتها -دون تقليل – بينما نرى على الهامش شبابٌ أينعت ثمار أفكارهم مبكراً بما يفوق سنهم إلا ان الفرص ضلَّت طريقها عنهم ليجدوا سبيلاً لإيصال أفكارهم او يُساهموا بما تحمله خواطرهم رغبةً في الإصلاح وسعيًا للتمكين ، والمؤكّد أن رغبة التحضير لديهم أكثر تواضعًا من رغبة الظهور لدى أحدهم مما يجعله حاضرًا .... لكن في قائمة الإعجابات لمن أنصفته اضواء الكاميرات .
وحتى لا نخرج بتعميم مُضني ، فمن الإنصاف ألا نُعمم هذه الصورة فما زلنا نملك نماذج شابة نُراهن على وعيها ، نماذجٌ ملهمة أي نعم ترافقهم الاضواء بإعتدال لأن افكارهم كانت أثمن من أن لا تُوثق ، تلك الثُّلة التي تتطور بإستمرار وتُناقش وتترك أثرًا وفكرة وتغادر مُحملةً بأسئلة جديدة وافكار قابلة للتنفيذ ولا مناص للقول إنهم الأكثر الهامًا والأقدر لكونهم الرصيد الحقيقي لأي مجتمعٍ يسعى لبناء حياةً سياسيةً أكثرُ نُضجًا .
والحل من وجهة نظرنا ليس بهجر هذه التجمعات او الإحجام عن إلتقاط بعض اللقطات او حتى الإنسحاب الكُلي من هذه المساحات ، فكلها قاطبةً لا زالت منصاتٌ لها شأنها في إيفاد شبابنا بالخبرات وإنتاج جيل كفؤ يُكمل مسيرة من سبقه ... الحل يبدأ بإعادة تشكيل الصورة المأخوذة عن هذه التجمعات وخلق تعريف جديد يتماشى مع هدفها عبر وضع الشباب وسط دائرة المسؤولية بما يرفع وعيهم بأن الحاضر يبني القادم الذي يحتاج لسواعدٍ بنّاءة ولعقول مستعدة لتضع نُصب أعينها على الواقع الذي نَسعى لأن يكون أكثر عدالةً وإنماء فكل كلمة من شأنها أن تبني جسرًا يُكمل عليه شخصًا فالآخر لنتمكن من عبور أزمات الحاضر بالقلم والورقة ،وبالصوت والفكرة ، وهذا يتأتى بإعتماد آليات مُختلفة في إختيار المُشاركين وبفرض بعض القواعد التنظيمية داخل مساحات التدريب وبزرع فكر الفضول والبحث لإشغال الحُضور وبإسناد مهمة توثيق المشاركة لجهة مخصصة تلتقط الصوت للتبعه يدها بالصورة واخيراً تخصيص حصة من الوقت ليتسنى للجميع مشاركة الحلول والآراء والتركيز على أن يكون لكل فردٍ بصمته الخاصة .
ولا بُد من الإشارة الى أن العمل العام هو مصنع الأفكار ، ومهما حصدت الصور من إعجابات فهي عابرة ... أما الفكرة الحقيقية فهي مشروعٍ لمبادرة او سياسة من شأنها تغيير حياة الناس او صنع أثر إيجابي وهي الغاية الأسمى .
وفي النهاية، ستُغلق الشاشات وستُطوى اللآفتات، ويُعاد ترتيب الطاولات ، وتُطفأ الأضواء، وتتوقف الكاميرات عن التصوير ويُغادر الجميع ، لكن السؤال الحاضر: هل كُنا هناك من أجل الصورة... أم من أجل القضية؟
العمرات تكتب : من أجل الصورة .. أم من أجل القضية ؟
الإثنين - pm 03:27 | 2026-07-27
22 الإعلامي -






