×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتورة تهاني بشارات

بشارات تكتب : لا تحزنوا... وكونوا على يقين بالله

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

هناك أحزانٌ لا تُرى بالعين، لكنها تُرى في انطفاء الوجوه، وفي ارتجاف الصوت، وفي الصمت الطويل الذي يعجز عن ترجمته الكلام. فالحزن ليس دمعةً تسيل من العين فحسب، بل هو غيمةٌ ثقيلة تستقر فوق القلب، تحجب عنه نور الحياة، وتجعله يرى الأشياء كلها بلون الرماد.

سمعتُ ذات مرة الطبيب المصري العالمي الدكتور مجدي يعقوب يقول: "إن الحزن يكسر القلب." ولم تكن تلك العبارة مجرد مجازٍ أدبي، بل حقيقةٌ يؤكدها الطب قبل أن تنطق بها القلوب. فكم من إنسان لم يهزمه المرض، لكنه انهار تحت وطأة الحزن. وكم من قلبٍ ظل ينبض، لكنه فقد الحياة التي كانت تسكنه.

الحزن يشبه الريح العاتية التي لا تقتلع الأشجار من جذورها دفعةً واحدة، بل تظل تضربها بصبرٍ حتى تذبل أغصانها، وتجف أوراقها، وتفقد قدرتها على الإزهار. وكذلك الإنسان، قد يبدو واقفًا أمام الناس، لكنه من الداخل يتهاوى بصمت، كقصرٍ شامخ أكلت الرطوبة أعمدته حتى أصبح ينتظر لحظة السقوط.

أصعب الأحزان ليست تلك التي تأتي من خسارة الأشياء، بل تلك التي تأتي من خسارة الأحبة، أو من ضياع حلمٍ عشنا سنوات نبنيه، أو انتظارٍ طال حتى ظننا أنه لن ينتهي. فحين يتعلق القلب بشخصٍ أو أمنيةٍ أو مشروع حياة، يصبح الفقد أثقل من الجبال، وتصبح الخطوات بطيئةً كأن الإنسان يحمل الدنيا كلها فوق كتفيه.

ومع ذلك، فإن الحياة لم تُخلق لتكون محطةً للحزن، وإنما ميداناً للاختبار. فما من بابٍ أغلقه الله إلا وكان وراءه بابٌ أوسع، وما من طريقٍ انقطع إلا وهيأ الله طريقًا أجمل، وما من أمنيةٍ تأخرت إلا لأن موعدها لم يحن بعد. إننا نحن البشر ننظر إلى اللحظة، أما الله سبحانه فيدبر العمر كله.

كم من إنسان بكى لأنه لم يحصل على وظيفة، ثم اكتشف بعد سنوات أن تلك الوظيفة كانت ستقوده إلى تعاسةٍ لا يعلمها إلا الله. وكم من قلبٍ انكسر لفراق إنسان، ثم أدرك لاحقاً أن الله أنقذه من حياةٍ كانت ستسرق منه سلامه وكرامته. وكم من حلمٍ ظن صاحبه أنه انتهى، فإذا به يعود إليه بصورةٍ أجمل مما تخيل.

إن اليقين بالله ليس شعاراً نردده عند الشدائد، بل هو أسلوب حياة. هو أن تؤمن بأن الله لا يمنع عنك خيراً، وإنما يصرف عنك شراً قد لا تراه. وأن تؤمن أن التأخير ليس حرماناً، وأن الإغلاق ليس نهاية، وأن الخسارة ليست دائماً خسارة. فربما كان ما فقدته اليوم هو السبب في نجاتك غداً.

تأملوا البذرة وهي تُدفن في التراب. لو كانت ترى المشهد بعين الإنسان لظنت أنها انتهت، وأن الظلام قد ابتلعها. لكنها في الحقيقة كانت تبدأ رحلة الحياة. وكذلك نحن، قد نظن أن الله دفن أحلامنا، بينما هو يهيئها لتنبت في الوقت الذي اختاره بحكمته.

وتأملوا الليل، كم يبدو طويلاً حين يحيط بنا، لكنه لا يستطيع أن يمنع شروق الشمس. وكذلك الأحزان، مهما طالت، فإنها لا تملك أن تمنع فجر الفرج. فلكل ليلٍ نهاية، ولكل شدةٍ فرج، ولكل دمعةٍ موعد مع ابتسامة كتبها الله قبل أن تولد تلك الدمعة.

لا تجعلوا الحزن يقنعكم بأن الحياة انتهت. فما زالت هناك أيامٌ لم تعيشوها، وأشخاصٌ لم تلتقوا بهم، وأرزاقٌ لم تصل إليكم، وأفراحٌ لم يكتب الله موعدها بعد. وربما كانت أجمل أيام حياتكم لم تأتِ حتى الآن.

إن الله سبحانه إذا أخذ شيئاً بحكمته، أعطى أشياء كثيرة برحمته. وإذا أغلق نافذةً، فتح أبواباً لم تكن تخطر على البال. فهو سبحانه لا يقدر لعبده إلا ما فيه الخير، وإن خفيت الحكمة، وتأخر الفهم، وضاقت النفس.

لذلك، لا تحزنوا على ما فات، ولا ترهقوا قلوبكم بالتعلق بما لم يُكتب لكم. اتركوا لله تدبير أموركم، فهو أرحم بكم من أنفسكم، وأعلم بما يصلحكم. ازرعوا الأمل في كل صباح، واصنعوا من اليقين جناحين تحلقون بهما فوق غيوم الألم.

وتذكروا دائماً أن الحياة لا تقاس بعدد الأحزان التي مرت بنا، بل بعدد المرات التي نهضنا فيها بعد كل انكسار. وأن المؤمن لا يعيش بلا ابتلاء، لكنه يعيش بيقينٍ يجعل كل ابتلاءٍ بدايةً لرحمة، وكل تأخيرٍ تمهيداً لعطاء، وكل انكسارٍ مقدمةً لجبرٍ عظيم.

ثقوا بالله...

فما أخَّر عنكم شيئاً إلا ليأتيكم في أجمل وقت، وما منعكم أمراً إلا ليمنحكم خيراً منه، وما أغلق باباً إلا لأنه أراد أن يفتح لكم أبواباً أوسع، وما كتب عليكم حزناً إلا ليقودكم إلى فرحٍ يليق بكرمه.

فلا تيأسوا... فإن تدبير الله أجمل من أحلامنا، ورحمته أوسع من أحزاننا، وعطاؤه أعظم مما نتمنى، ومن كان الله معه فلن يضيعه أبداً.