×
آخر الأخبار

الخصاونة يكتب : الجامعات الخاصة الأردنية… استثمار في الوطن لا يجوز التفريط به

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : نور الدين الخصاونة

لم تكن الجامعات الخاصة في الأردن مشروعاً تجارياً عابراً، بل جاءت استجابة لحاجة وطنية متنامية، وأسهمت على مدار عقود في بناء منظومة التعليم العالي، وتوسيع فرص الالتحاق بالجامعات، وتخفيف العبء عن الجامعات الرسمية، حتى أصبحت اليوم أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، وركناً أساسياً من أركان سمعة الأردن العلمية والأكاديمية.

لقد استثمرت هذه الجامعات مئات الملايين في البنية التحتية، والمختبرات، والمراكز البحثية، واستقطبت الكفاءات الأكاديمية والإدارية، وأسهمت في توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. ولم يعد أثرها مقتصراً على الجانب التعليمي فحسب، بل امتد ليصبح جزءاً من الاستثمار الوطني الذي ينعكس على الاقتصاد، والتنمية، والحركة التجارية، وسمعة الأردن في محيطه العربي والإقليمي.

ومن الإنصاف القول إن الجامعات الخاصة الأردنية خرّجت عشرات الآلاف من الطلبة الذين يعملون اليوم داخل الأردن وخارجه، ويتبوأ كثير منهم مواقع قيادية ومهنية مرموقة في مختلف القطاعات. كما أن قاعاتها الدراسية لم تكن يوماً حكراً على الطلبة الأردنيين، بل احتضنت على مدى سنوات طويلة أشقاءنا من مختلف الدول العربية، الذين عادوا إلى أوطانهم سفراء للتعليم الأردني، يحملون معهم صورة مشرقة عن جامعاته ومستواه الأكاديمي.

ومن هنا، فإن أي اهتزاز في صورة الجامعات الخاصة لا يمس مؤسسة بعينها، بل ينعكس على سمعة قطاع التعليم العالي الأردني بأكمله، وهي سمعة بُنيت عبر عقود من الجهد والعمل والتراكم العلمي. فالثقة التي اكتسبها الأردن كمقصد تعليمي عربي لم تأتِ صدفة، وإنما كانت ثمرة منظومة متكاملة من الجامعات والكفاءات والاعتمادات الأكاديمية.

ولا شك أن أي قطاع، مهما بلغ من النجاح، قد يشهد أخطاء أو تجاوزات أو حالات تقصير تستوجب المساءلة والتصويب. لكن الفرق كبير بين المعالجة المؤسسية الرصينة التي تحافظ على هيبة الدولة ومكانة مؤسساتها، وبين تحويل الأخطاء الفردية إلى مادة إعلامية مفتوحة تسيء إلى القطاع بأكمله، وتمنح المنافسين فرصة للنيل من سمعة التعليم الأردني. فالإصلاح الحقيقي لا يكون عبر “نشر الغسيل” أمام الجميع، وإنما عبر تطبيق القانون، ومحاسبة المقصر، وتعزيز الرقابة، بما يحفظ هيبة المؤسسات ويحمي المصلحة الوطنية.

وما يدعو إلى القلق أن الصورة السلبية التي قد تُرسم عن قطاع التعليم العالي قد تدفع بعض الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، إلى إعادة النظر في برامج الابتعاث إلى الأردن، أو تقليصها، وهو أمر ستكون له آثار أكاديمية واقتصادية ووطنية كبيرة. فالطالب العربي الذي يختار الأردن لا يضيف قيمة مالية للجامعة فحسب، بل يسهم في تنشيط قطاعات الإسكان، والنقل، والتجارة، والخدمات، ويعزز العلاقات الأخوية التي طالما ربطت الأردن بأشقائه العرب.

إن الدفاع عن الجامعات الخاصة لا يعني التغاضي عن الأخطاء، كما أن المطالبة بالمحاسبة لا تعني هدم المؤسسات أو التشكيك بمنجزاتها. فالدول التي تحترم مؤسساتها توازن دائماً بين الشفافية والحفاظ على سمعتها، وبين المساءلة وصون المصلحة الوطنية. وهذا هو النهج الذي ينبغي أن يسود عند التعامل مع أي قضية تمس قطاعاً بحجم التعليم العالي.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى خطاب مسؤول يفرق بين النقد البنّاء والتشهير، وبين الإصلاح والهدم، وبين معالجة الخطأ والإساءة إلى وطن بأكمله. فالجامعات الخاصة ليست مجرد مبانٍ أو شركات استثمارية، بل هي مؤسسات وطنية صنعت أجيالاً، وأسهمت في بناء الإنسان الأردني والعربي، وكانت ولا تزال إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للأردن.

إن حماية سمعة التعليم العالي الأردني مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من المؤسسات الرسمية، ولا تنتهي عند وسائل الإعلام والرأي العام. فالأردن يستحق أن تبقى جامعاته عنواناً للجودة، ومنارة للعلم، ووجهةً للأشقاء العرب، وأن يكون الإصلاح دائماً وسيلة للبناء والتطوير، لا سبباً في إضعاف أحد أهم القطاعات التي نفخر بها أمام العالم.