×
آخر الأخبار

الزعبي تكتب : فرح تتحدث باسم الحكومة.. فكيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل الإعلام؟

الزعبي تكتب : فرح تتحدث باسم الحكومة.. فكيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مستقبل الإعلام؟
22 الإعلامي   -

بقلم : الإعلامية راما مراد الزعبي

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة مرتبطة بالمستقبل، فقد بدأ يأخذ مكانه في تفاصيل الحياة اليومية، ووصل اليوم إلى واحدة من أكثر المساحات حساسية وتأثيرًا: الاتصال بين الحكومة والمواطن. ومع إطلاق شخصية فرح الافتراضية لتكون نافذة رقمية تتحدث باسم الحكومة وتقدم المعلومات وتشرح القرارات والسياسات، تفتح التجربة الأردنية بابًا جديدًا في الاتصال الحكومي، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة تتجاوز التقنية إلى الإعلام والهوية والثقة ومستقبل المهنة.

من حيث المبدأ، تبدو الفكرة امتدادًا طبيعيًا للتحول الرقمي الذي تشهده المؤسسات حول العالم. فوجود شخصية افتراضية قادرة على تقديم المعلومات بطريقة مبسطة وسريعة قد يساعد في الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات لدى فئات كبيرة من المجتمع. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الاتصال الحكومي يمكن أن يوفر أدوات جديدة للتوضيح والوصول والتفاعل.

لكن عندما تمنح التقنية وجهًا وصوتًا وشخصية، فإن الأمر لا يعود تقنيًا فقط. ملامح الشخصية، عمرها، جنسها، لباسها، طريقة حديثها وحتى اللهجة المستخدمة، كلها عناصر تدخل في صناعة الرسالة الإعلامية وتؤثر في الطريقة التي يستقبل بها الجمهور هذه الشخصية.

وهنا يبرز سؤال مشروع: على أي أساس جرى اختيار الشكل البصري لشخصية فرح؟

في مجتمع أردني متنوع، تظهر فيه الفتيات والنساء المحجبات وغير المحجبات، وتختلف فيه الأذواق والخلفيات والتصورات الاجتماعية، من الطبيعي أن يطرح الجمهور تساؤلات حول مدى حضور هذا التنوع في تصميم الشخصية الافتراضية. السؤال هنا لا يعني أن شخصية حكومية افتراضية يجب أن تمثل فئة اجتماعية محددة، ولا يعني أن اختيار شخصية غير محجبة يحمل بالضرورة موقفًا تجاه الحجاب أو تجاه المحجبات. مع ذلك، من حق الجمهور أن يعرف ما المعايير التي اعتمدت في اختيار هذا النموذج، وهل خضع التصميم لدراسة تتعلق بتركيبة المجتمع الأردني وتنوعه الثقافي والاجتماعي؟

فالشخصية التي تظهر أمام المواطن تحت مظلة الحكومة لا تُقرأ باعتبارها صورة عابرة على منصة رقمية، وإنما بوصفها جزءًا من هوية الاتصال الرسمي. ولهذا تصبح مسألة التمثيل الثقافي والاجتماعي جديرة بالنقاش، خصوصًا عندما تكون الشخصية موجهة إلى جمهور واسع يفترض أن يشعر بأنها قريبة منه وقادرة على مخاطبته.

ويطرح اختيار شخصية شابة من الإناث سؤالًا آخر: لماذا امرأة شابة تحديدًا؟ هل جاء الاختيار بناءً على أبحاث حول الجمهور المستهدف وسلوك مستخدمي المنصات الرقمية؟ هل رأت الجهة المسؤولة أن هذه الشخصية أكثر قدرة على جذب الانتباه وتبسيط المعلومة؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى تتعلق بالصورة البصرية للاتصال الرقمي؟

هذه الأسئلة لا تحمل موقفًا ضد حضور المرأة في الإعلام أو الاتصال الحكومي، وإنما تبحث في المعايير المهنية التي تقف خلف اختيار الشخصية. فالحكومة تختلف في رسالتها عن الشركات التجارية التي قد تعتمد أحيانًا على الوجوه الشابة والجذابة في الحملات الإعلانية لجذب الجمهور. في الاتصال الحكومي، تظل الثقة والوضوح والمصداقية والقدرة على تمثيل المجتمع عناصر أكثر أهمية من الجاذبية البصرية وحدها.

ولا تتوقف الأسئلة عند شكل فرح، وإنما تمتد إلى طبيعة الدور الذي ستؤديه. فإذا كانت الشخصية ستقدم معلومات حكومية وتشرح قرارات رسمية، فمن المسؤول عن مراجعة ما تقوله؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا قدمت معلومة غير دقيقة؟ وهل توجد مراجعة بشرية قبل نشر المحتوى؟ وكيف سيتم التعامل مع الموضوعات التي تحتاج إلى تفسير قانوني أو صحي أو ديني؟

وهنا تظهر أهمية أن تكون حدود الشخصية واضحة للمواطن. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون وسيلة متقدمة لتقديم المعلومة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر مستقل للسلطة أو التفسير. المواطن بحاجة إلى معرفة أن هناك جهة بشرية تقف خلف المحتوى، وأن المعلومة تخضع للمراجعة، وأن المسؤولية عن دقتها محددة وواضحة.

ومن هنا يمكن طرح سؤال آخر أكثر تحديدًا: إذا وصلت فرح مستقبلًا إلى الحديث في قضايا دينية، فما المرجعية التي ستستند إليها؟ ومن سيراجع ما تقدمه في هذا النوع من الموضوعات؟ هذه ليست مسألة مرتبطة بشخصية فرح وحدها، وإنما جزء من نقاش أوسع حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات التي تتطلب مرجعية متخصصة ومسؤولية واضحة.

غير أن القضية الأكبر التي تفرضها تجربة فرح تتعلق بمستقبل الإعلاميين أنفسهم.

فماذا يعني أن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى مجالات درسها طلبة الإعلام لسنوات؟ الكتابة، التلخيص، إنتاج الصور، توليد الأصوات، صناعة الفيديو، إعداد المحتوى، وحتى تقديم الأخبار عبر شخصيات افتراضية أصبحت كلها مهام يمكن للتقنيات الحديثة أن تنجز أجزاء واسعة منها.

وهنا يبرز سؤال يقلق كثيرًا من خريجي الإعلام: إذا أصبحت الآلة قادرة على تنفيذ عدد من المهام التي تدربنا عليها، فأين سيكون موقعنا في سوق العمل؟

الإجابة لا تكمن في محاولة منافسة الذكاء الاصطناعي في السرعة، لأن الإنسان لن يتفوق على الآلة في السرعة الحسابية والإنتاج المتكرر. القيمة الحقيقية للإعلامي ستتجه بصورة أكبر نحو المهارات التي تحتاج إلى فهم وسياق وحكم مهني ومسؤولية أخلاقية.

الإعلامي الذي يستطيع الوصول إلى المصادر، وطرح الأسئلة الصعبة، والتحقق من المعلومات، واكتشاف التضليل، وربط الأحداث بسياقاتها، وفهم المجتمع، وتحليل الخطاب، واتخاذ القرار التحريري، سيظل يمتلك قيمة يصعب اختزالها في أداة تقنية.

وهذا يضع الجامعات والمؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية جديدة. خريج الإعلام في السنوات المقبلة لن يكون بحاجة إلى دراسة المهارات التقليدية وحدها، وإنما إلى فهم الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه ومراجعته واكتشاف أخطائه والتحقق من مخرجاته. وسيصبح التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من المهارة المهنية، إلى جانب أخلاقيات العمل الإعلامي والتحقق الرقمي وصناعة المحتوى متعدد الوسائط.

تجربة فرح إذًا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصة عن شخصية افتراضية ظهرت على شاشة، وإنما باعتبارها مؤشرًا على تحول أكبر في طبيعة الاتصال نفسه. الحكومة تستخدم أداة جديدة للتواصل مع الجمهور، والمواطن يتعامل مع شكل جديد من المتحدثين، والإعلامي يجد نفسه أمام سوق عمل تتغير قواعده بصورة متسارعة.

التحدي الحقيقي ليس في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في الطريقة التي سيُستخدم بها. فإذا استُخدم لتسهيل الوصول إلى المعلومة وتبسيطها مع وجود مراجعة بشرية واضحة، فقد يصبح إضافة مهمة للاتصال الحكومي والإعلامي. أما إذا أصبح بديلًا عن المسؤولية البشرية أو غابت عنه الشفافية، فقد تتحول السرعة التي تمنحها التقنية إلى مصدر لمشكلة أكبر.

فرح قد تكون شخصية افتراضية، إلا أن الأسئلة التي أثارتها حقيقية: كيف نمثل مجتمعنا في الفضاء الرقمي؟ كيف نحافظ على الثقة عندما تتحدث الآلة باسم المؤسسات؟ وكيف نضمن أن التطور التقني لا يأتي على حساب المسؤولية المهنية؟

وفي النهاية، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمنح المؤسسة وجهًا وصوتًا وحضورًا رقميًا، إلا أن الثقة لا تُصنع بالملامح الرقمية وحدها. الثقة تحتاج إلى معلومة دقيقة، ومرجعية واضحة، ومراجعة بشرية، وإعلاميين قادرين على فهم التكنولوجيا ومساءلتها وتصحيحها.

وربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها تجربة فرح لخريجي الإعلام واضحة: المستقبل لن يكون للإعلامي الذي يحاول أن يعمل بدل الذكاء الاصطناعي، وإنما للإعلامي الذي يعرف كيف يستخدمه، ويدقق في مخرجاته، ويعرف متى يثق به ومتى يشكك فيه، ويبقى مسؤولًا عن الكلمة التي تصل إلى الجمهور.