بقلم : شادن سميح العوران / عضو مجلس محافظة الطفيلة "اللامركزية"
في عالم تعصف به النيران وتتقاطع وتتضارب فيه المصالح، وتعجّ فيه الأزمات والصراعات والتحولات السياسية حيث تتبدل المواقف والمحن بتغيير بوصلة الاتجاهات؛ يبرز الأردن كنموذج إنساني وأخلاقي فريد من نوعه،
بقيادة ملكنا المعظم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المفدى، صاحب صوت الحق والحكمة والإنسانية، الذي يجمع للعالم رؤية ثاقبة لا تلين، وبمبادئ راسخة لا تعرف المساومة.
سيدي أبا الحسين ؛ إن كلماتك السامية التي وجهتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها الحادية والثمانين لم تكن مجرد خطاب دبلوماسي،
بل هي مضامين توضح لنا رسم خارطة طريق الضمير الحي والإنساني، وتعكس بعمق التزامات تمس أمن المنطقة واستقرارها بالكامل.
ورغم ذلك، تبقى على خطى ثوابت هاشمية تاريخية كانت وما زالت حصناً منيعاً للعدالة والسلام والاعتدال ونبذ العنصرية والتطرف.
إن هذا الخطاب التاريخي هزّ العالم بأسره وبالأخص الكيان الصهيوني ؛ شكراً لملكنا المعظم لأنك رجل شجاع، تكفي وقفتك المشرفة أمام العالم كله وأنت تحمل على عاتقك همّ ووجع أهالي فلسطين، تعبيراً عن ضمير كل أردني حر شريف.
لقد سلطت الضوء بجرأة على مضامين بالغة الأهمية، تضمنت التحذير من جريمة تهجير الفلسطينيين، وكذلك التوسع الإسرائيلي الخطير الذي يهدد المنطقة بأجمعها ؛ فمن المستحيل أن تتغير رسالتك الثابتة المشرقة التي ترفع الرأس.
اليوم، أثبتّ للعالم بأن صوت الحق يعلو في زمن صمت فيه الكثيرون من زعماء العالم، محذراً من تمادي إسرائيل وغياب المحاسبة والشفافية والعدالة ؛ لتحقيق هدف سياسي أصبح يخرق معاهدات السلم الأولية، والمتمثل بمحو الوجود الفلسطيني في غزة، وضم الضفة الغربية، وتهجير سكانها، وجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً.
كما أشار جلالته بوضوح محذراً من حكاية التلاعب الإسرائيلي باللغة والمصطلحات، عبر استبدال أسماء وتوصيفات الأفعال والجرائم القادمة بأخرى مخففة حتى تألفها العين والأذن ؛ موضحةً ذلك باستخدام إسرائيل مصطلح "تنفيذ القانون" بدلاً من التهجير القسري.
ففي كل مرة تهدم فيها إسرائيل بيتاً لفلسطيني وتهجّر سكانه من أجل التوسع الاستيطاني وتدّعي أن لديها الحق والشرعية في ذلك -وكأنهم قلة قليلة بينما هي في الحقيقة هجمات ممنهجة وواضحة.
لقد خاطبت المجتمع الدولي بكل جرأة مؤكداً بأنك لا تمتلك ترف البقاء في حالة إنكار أمام ما يشهده أبناء غزة العِزّ، ومبيناً أن رفض القيادة الإسرائيلية لقيام الدولة الفلسطينية ليس شيئاً عابراً بل سياسة تجري تكريسها.
وعليه، وجهت المجتمع الدولي حقيقة مدوية مؤلمة بأن الأمم المتحدة تمتلك بيديها الخيارات -كالعقوبات وتجميد الوصول وكذلك فرض الحظر لاستخدامها ضد الكيان الصهيوني بسبب انتهاكاته المستمرة بشراسة _ إلا أن المجتمع الدولي اختار عدم استخدامها، وربما يعود ذلك لمصالح سياسية واقتصادية ممنهجة.
كما حذّر ملكنا المفدى بقسوة بالغة من أن الطموحات الإسرائيلية مستمرة ولن تقف عند الضفة الغربية وغزة، بل إن مطامعها أكبر من هيك، مستشهداً بما يحدث في دولة لبنان وأيضاً ما يجري على أرض سوريا الشقيقة، ومبيناً أن تلك التوغلات تستهدف موارد مائية حيوية جمة لتوسيع طموحات إسرائيل في الامتداد بشكل أكبر.
وفي المقابل للغتك الجازمة، تحدثت أثناء الخطاب بلغة السلام، مستعرضاً مبادرة السلام العربية التي صادقت عليها سبع وخمسون دولة عربية ومسلمة،
وأن أشد الدول ندية لإسرائيل كانت مستعدة لتطبيع العلاقات والتوصل إلى سلام شامل بشرط واضح يتمثل في منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة بدولته المستقلة على أرضها .
مؤكداً سيدي المفدى أن العقبة الكبرى تكمن في غياب حكومة إسرائيلية معقدة لقبول السلام نتيجة مطامعها وغايتها الاستيطان وإذلال الشعب الفلسطيني أمام العالم بأكمله وبالاخص الشعوب العربية .
كما تناول الخطاب السامي التزامك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ، وبأن مبادئك تقف بثبات وموقف لا يجوز أن يخضع لتقلبات الأمزجة ومصالح الاهتمام الدولي ،
قائلاً جلالته عبدالله الثاني ابن الحسين : " لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغيير بوصلة العالم "،
ومؤكداً التزامه المتمسك بالدبلوماسية من أجل السلام .
فالسلام الحقيقي ، لا ينبغي لأحد أن يفسره استهانة بقوة وهيبة الأردن أو تراجعاً في حقها ، بل هو دفاع عن أمن الشعب الأردني ووطنه وحقوق الفلسطينيين بنفس الجانب الأخوي.
ومن هنا يأتي هذا الخطاب ليضع النقاط على الحروف أمام المجتمع الدولي ، وليؤكد أن الدولة الأردنية ستبقى شامخة وقوية وثابتة بعزيمتها وعقيدتها،
وأن حدودها منيعة رغم التحديات والتصعيدات المحيطة بها، وستبقى عينها بالمرصاد لمن يمس أبناء وطنها وشعبه المخلص وكافة سائر بلاد المسلمين.
باسم كل مؤمن بالسلام والعدل ؛ شكراً أبونا وملكنا المفدى على ذلك الخطاب الإنساني والضمير الوجداني .
نعم، الأردن سيبقى البلد الذي يمكن للعالم الاعتماد عليه ؛ الوفي لمبادئه، الثابت في مواقفه، والساعي أبداً لخير الإنسانية في شتى بقاع العالم.
حفظك الله ملكنا عبدالله الثاني ابن الحسين المفدى، وولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ويا رب احفظ شعبنا ووطنا بخير وسلام.
بنت الجنوب : شادن سميح العوران
عضو مجلس محافظة الطفيلة اللامركزية 2026م









