شهد معرض عمان الدولي للكتاب في دورته الـ (25) مساء أمس الأحد، بقاعة الندوات ندوة ثقافية بعنوان "شهادات إبداعية"، اقتربت من تجارب المبدعين وأساليبهم الكتابية بعيداً عن قراءة النصوص أو السرد التقليدي للسير الذاتية.
وشارك في الندوة الكاتب محمود الريماوي، الدكتورة أماني سليمان، الدكتور محمد عبد الكريم زيود، وأدراها عثمان مشاورة.
الكاتب محمود الريماوي
استعاد الكاتب محمود الريماوي في شهادته بداياته الأولى في الخمسينيات، مؤكداً أنه لم يتأثر في كتابته بحكايات الجدات والسير الشعبية رغم سحرها، كما امتنع في سن العاشرة عن قراءة القصص البوليسية مثل "أرسين لوبين" لعدم جدواها، بينما قرأ مجلات الأطفال الوافدة من مصر ولبنان مثل "سمير" و"سندباد" و"بساط الريح"، وجد الشغف الأكبر في مكتبة المدرسة بالكاتب جبران خليل جبران الذي سحره بجمعه بين النثر والشعر والواقعية والتحليق، لتتوالى بعده قراءاته للمنفلوطي وميخائيل نعيمة ومحمد عبد الحليم عبد الله وجورج زيدان، وصولاً إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي.
كما لفت الكاتب الريماوي إلى أن الصحافة شكلت ركيزة مهمة في حياته؛ إذ كان ينكبّ على قراءة الجريدة اليومية التي يجلبها والده ظهراً، وسرعان ما بدأ بإرسال محاولاته الأولى للصحف المسائية الصادرة آنذاك كجريدتي "المساء" و"الشعب".
واستعرض الريماوي مسيرته النقدية مع ذاته حيث اكتشف أن الكتابة القصصية خبرة لغوية وجمالية معقدة بالواقع والفن، مع حرصه على الاحتفاظ بقيمة الصدق مع النفس والآخرين، وسعيه للحد من تسرب الشعر إلى البنية السردية والدرامية، وفصل بين الفنين في إصدارات مستقلة مثل "إخوة وحيدون" و"كل ما في الأمر" و"هكذا يمضي العمر".
وأوضح أن القصة فن مرن يتراوح بين خمسة أسطر وخمسة آلاف كلمة، وقد استفاد من العمل الصحفي في كتابة لغة مشدودة تخاطب القارئ الحاضر.
الدكتورة أماني سليمان
وقدمت الدكتورة أماني سليمان شهادتها الإبداعية، مؤكدة أنها تعيد اختراع نفسها باستمرار في الحياة والكتابة دون البحث عن صورة يقينية ثابتة، أنها تكتب بالممحاة لا بالقلم وتعتمد الحذف والتأني المستمر، وقد تأخرت في النشر بحثاً عن صوت مخملي متين يقدر على حمل فكرتها وحيرتها وهويتها.
وذكرت سليمان مسار مجموعاتها القصصية بدءاً من "شخوص الكاتبة" ومروراً بـ "سمة المفتاح" و"جوار الماء" و"غيمة يتدلى منها حبل سميك" وصولاً إلى "جبل الجليد"، مبينة أن الخيط الناظم لها جميعاً هو "الإنسان في لحظة انكشافه الهش" والتصدعات الوجودية في الهامش.
وأكدت انحيازها التام للقصة القصيرة لأنها مكثفة وقلقة وتضرب في العمق دون تمهيد أو شروحات مريحة، وأن التجريب لديها ليس ترفاً شكلياً بل استجابة عضوية لقصة غير خطية تضع القارئ في موقع الشك والتواطؤ، مشددة على أن القراءة تمثل شرطاً وجودياً يحميها من الغرور ويمنحها إدراك حدودها.
الدكتور محمد عبد الكريم الزيود
الدكتور محمد عبد الكريم الزيود قدم شهادته مستعيداً طفولته الأولى في حي الغويرية بالزرقاء وسط الطرق المترعة بالطين شتاء والغبار صيفاً، ودهشته العميقة عند زيارة القرى برفقة والده ورصده لتفاصيل الطبيعة وأصوات الحصادين وشجر البلوط وسيارات اللاند روفر.
وتحدث عن عمله المبكر طفلاً في بيع صحيفة "الدستور" بسوق الزرقاء وبيع الحلويات، وموقفه الطفولي الخائف عند فقدان فردة حذائه البلاستيكي في الطين أمام بوابات المدرسة، وسلّط الضوء على دور والده البدوي العسكري الذي تعلم القراءة بنفسه بنسخ القرآن الكريم، وأثر الصحف اليومية كجريدة "الرأي" ومجلة "العربي" في فتح نوافذ المعرفة أمامه.
وأشار إلى بداياته في القراءة بمكتبات بلديتي الزرقاء ومؤتة وكتابته الأولى ببرنامج "أقلام واعدة" مع الشاعر علي الفزاع، واستذكر النصيحة التي قدمها له الشاعر الراحل حبيب الزيودي عندما قَدم له قصته الأولى، ودعاه للعودة إلى بيئته القروية والحفر في المكان الأردني وموروثه.
وختم بحديثه عن روايتيه "فاطمة"، و"إسعيدة" التي استدعى فيها طفولته وتحولات المكان الأردني وحمايته من التلاشي أمام المصانع والجرافات.
عثمان مشاورة
وكان عثمان مشاورة الذي أدارة الندوة قد استهلها بقوله أن الشهادة الإبداعية تمثل حالة شفافة من الاعتراف والمكاشفة ومساءلة الذات أمام القراء والنقاد والطلبة، حيث يُطلع المبدع الجمهور على أدواته وفكره وتفاصيل اللحظات المفصلية في مسيرته، بما في ذلك ارتباك الفكرة الأولى ومقاومة الحذف وسطوة المكان
واستحضر تجارب عالمية في تقديم الشهادات الإبداعية، مشيراً إلى الكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، وأورهان باموق، وإرنست همنغواي.
وفي ختام الندوة، كرم رئيس اللجنة الثقافة لمعرض عمان الدولي للكتاب، جعفر العقيلي، والكاتبة العمانية شريفة التوبي المشاركين.









