بيان صادر عن منتدى الابتكار والتنمية وموجه إلى دولة رئيس الوزراء
دولة رئيس الوزراء،
لم تعد ظاهرة القيادة المتهورة، والسرعة المخالفة للقانون، والتجاوزات الخطرة، والتخلل بين المركبات «البتونة»، مجرد مخالفات مرورية يمكن التعامل معها بالإجراءات التقليدية؛ فقد تحولت في بعض صورها إلى سلوك بالغ الخطورة يهدد حياة المواطنين بصورة مباشرة، ويستوجب وقفة حكومية حازمة وشاملة.
إن قيادة مركبة بسرعة تتجاوز الحد القانوني المقرر للطريق، أياً كانت قيمة التجاوز، تصبح أكثر خطورة عندما تقترن بالتجاوز الخاطئ، أو الانتقال المفاجئ بين المسارب، أو التخلل بين المركبات، أو الاقتراب المتهور من مركبات الآخرين.
وعندما تصل السرعات إلى مستويات هائلة وتتجاوز الحدود المقررة، فإن هامش الخطأ يتقلص بصورة خطيرة، وقد تتحول المركبة خلال ثوانٍ إلى وسيلة لإزهاق حياة إنسان بريء.
المسألة هنا ليست مخالفة مرورية فحسب؛ إنها حماية للحياة.
فالضحايا المحتملون ليسوا السائقين المتهورين وحدهم؛ إنهم أطفال في طريقهم إلى مدارسهم، وطلبة جامعات، ومشاة، وأسر، وسائقون ملتزمون بالقانون، وأشخاص لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في المكان والوقت الخطأ.
ومن هذا المنطلق، يدعو منتدى الابتكار والتنمية دولة رئيس الوزراء إلى قيادة مراجعة وطنية شاملة لمنظومة السلامة المرورية، تشريعاً ورقابة وتوعية وإنفاذاً وتأهيلاً، وعدم انتظار وقوع المزيد من الحوادث حتى تتحول المشكلة إلى أرقام جديدة في سجلات الوفيات والإصابات.
أولاً: القيادة التي تهدد حياة الآخرين تستوجب رداً يتناسب مع خطورتها
يدعو المنتدى إلى إعادة تقييم العقوبات المفروضة على أنماط القيادة شديدة الخطورة، بحيث تتناسب العقوبة مع درجة الخطر الذي أحدثه السلوك، وليس فقط مع الوصف الشكلي للمخالفة.
كما يدعو إلى دراسة الحالات التي تنطوي على تعمد أو استهتار جسيم بحياة الآخرين، ومدى انطباق النصوص الجزائية عليها، بما فيها النصوص المتعلقة بالشروع بالقتل عندما تتوافر عناصر الجريمة وشروطها القانونية، وعدم اختزال بعض الأفعال شديدة الخطورة في غرامة مالية فقط.
ثانياً: التوعية ليست هامشاً.. بل خط الدفاع الأول
الردع وحده لا يبني سلوكاً مرورياً سليماً.
لذلك يدعو المنتدى إلى إطلاق حملة وطنية مستمرة للسلامة المرورية تشمل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ومؤسسات الدولة وشركات النقل ومؤسسات القطاعين العام والخاص.
وينبغي أن تتجاوز التوعية الرسائل التقليدية إلى استخدام المحاكاة والفيديوهات الواقعية والرسائل الموجهة للشباب، وشرح أثر السرعة على مسافة التوقف وشدة الاصطدام واحتمالات النجاة، بحيث يدرك السائق أن تجاوز السرعة القانونية ليس مجرد رقم على عداد المركبة، وإنما قد يكون الفرق بين الوصول إلى المنزل والعودة إلى المستشفى.
كما يجب أن تكون التوعية مستمرة ومتكررة ومقاسة الأثر، وأن تواكبها متابعة للسلوك المروري، بحيث لا تنتهي الحملة بانتهاء الإعلان عنها.
ثالثاً: مراقبة ذكية لا تنام
يدعو المنتدى إلى توسيع استخدام الكاميرات الذكية وأنظمة المراقبة الآلية على الطرق الخارجية وداخل المدن، وربطها بمنظومة رقمية فعالة لرصد السرعة والتجاوزات الخطرة والتبديل العدواني للمسارب والسلوكيات التي تعرض الآخرين للخطر.
فالرقابة البشرية وحدها لا يمكن أن تكون موجودة في كل طريق وكل ساعة، بينما تستطيع الأنظمة الذكية توفير مراقبة مستمرة وتوثيق المخالفات بصورة موضوعية، بما يعزز الإنفاذ ويحد من الإفلات من الرقابة.
رابعاً: السرعة القانونية ليست اقتراحاً
يؤكد المنتدى أن القضية لا تتعلق فقط بالسرعات التي تصل إلى 200 كم/ساعة.
كل تجاوز للحد القانوني للسرعة هو مخالفة تستوجب المساءلة، وتزداد خطورتها كلما ارتفعت السرعة وكلما اقترنت بسلوك خطر آخر.
وفي المدن تحديداً، يجب مراجعة الحدود القصوى للسرعة وفق طبيعة الطريق وكثافة السكان والمشاة ووجود المدارس والجامعات والمناطق التجارية والسكنية، مع تشديد الرقابة على الالتزام بالسرعات القانونية المحددة.
خامساً: الشاحنات والآليات الثقيلة.. مسؤولية مضاعفة
يدعو المنتدى إلى تشديد الرقابة على المخالفين من سائقي الشاحنات والآليات والمركبات الثقيلة، وإلزامهم الصارم بالسرعات القانونية وقواعد التجاوز والمسارب والمسافات الآمنة.
كما يجب منع السلوكيات التي تتكرر على بعض الطرق، ومنها مضايقة المركبات الصغيرة، والاقتراب منها بصورة خطرة، والتجاوز غير الآمن، والضغط عليها أو إجبارها على تغيير مسربها.
فالفارق الكبير في الوزن والحجم بين الشاحنة والمركبة الصغيرة يجعل أي خطأ من المركبة الثقيلة أكثر خطورة وعواقبه أشد.
سادساً: الدراجات ومضخمات صوت العادم
يدعو المنتدى إلى تطبيق أكثر صرامة على الدراجات النارية المزعجة، وعلى المركبات التي يتم تعديل أنظمة عادمها أو تركيب مضخمات صوت عليها بما يتسبب بضوضاء مفرطة، خصوصاً داخل الأحياء السكنية وفي ساعات الليل.
فالطريق العام ليس مكاناً لاستعراض القوة أو الصوت، وحق المواطن في الهدوء والراحة جزء من جودة الحياة والسلم المجتمعي.
سابعاً: العقوبة يجب أن يتبعها إصلاح وتأهيل
يقترح المنتدى أن تتضمن المنظومة، في الحالات التي يسمح بها القانون، برامج إلزامية للتأهيل المروري والسلوكي لمن تثبت ممارسته القيادة الخطرة، تشمل أخلاقيات القيادة، وإدارة الغضب، والتعامل مع المخاطر، والتوعية بآثار الحوادث، مع التقييم والتأهيل النفسي المتخصص عندما تستدعي الحالة ذلك.
فإذا كانت الغرامة وحجز المركبة وسحب الرخصة والعقوبات الأخرى تحقق الردع، فإن التأهيل يساعد على منع تكرار السلوك.
دولة الرئيس.. المطلوب منظومة وطنية لا حملة مؤقتة
إن منتدى الابتكار والتنمية لا ينظر إلى هذه القضية باعتبارها ملفاً مرورياً ضيقاً، بل باعتبارها قضية حياة وأمن مجتمعي وسلوك عام وثقة بالقانون.
والمطلوب اليوم ليس حملة مؤقتة تنتهي بعد أسابيع، وإنما منظومة وطنية دائمة للسلامة على الطرق تقوم على خمسة أركان:
تشريع رادع، ورقابة ذكية، وإنفاذ حازم، وتوعية مستمرة، وتأهيل حقيقي.
إن الطريق ملك للجميع، ومن حق المواطن الملتزم بالقانون أن يصل إلى بيته آمناً.
ولا يجوز أن يدفع طفل أو طالب أو أسرة أو مشاة ثمن لحظة تهور من سائق قرر أن يجعل الطريق حلبة سباق.
عن منتدى الابتكار والتنمية
منتدى الابتكار والتنمية مساحة وطنية للحوار والتفكير والمبادرة، يعمل على رصد التحديات التي تمس حياة المواطن والمجتمع، وطرح الأفكار والحلول القابلة للتطبيق، وفتح الحوار حولها مع أصحاب القرار والخبراء والمختصين.
وينطلق المنتدى من قناعة بأن الفكرة الواعية تبدأ حواراً، والحوار ينتج معرفة، والمعرفة تقود إلى مبادرة، والمبادرة تتحول إلى أثر عندما تجد طريقها إلى التطبيق.
ولا يقتصر دور المنتدى على تشخيص المشكلات، بل يسعى إلى إيجاد الحلول، وتحفيز العمل المؤسسي، وربط الخبرة الأكاديمية والمهنية بصناعة السياسات، ودعم المبادرات القابلة للتنفيذ بما ينعكس بصورة ملموسة على حياة المواطن وسلامة المجتمع ومستقبل الوطن.
منتدى الابتكار والتنمية
28 أيلول 2026









