بقلم : العقيد المتقاعد الاستاذ فهد موفق النعيمي
حين تُستغل العاطفة والثقة والصداقة، يصبح الوعي الرقمي ضرورة لحماية الأفراد والمجتمع.
في ظل التطور المتسارع في التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الجرائم الإلكترونية واحدة من التحديات التي تواجه الأفراد والأسر والمؤسسات، فلم تعد محاولات النصب والاحتيال مقتصرة على الأساليب التقليدية، بل تطورت لتأخذ أشكالًا متعددة، تستهدف الأموال والبيانات الشخصية والخصوصية، مستغلةً في كثير من الأحيان عاطفة الإنسان وثقته بالآخرين وعلاقاته الاجتماعية.
وقد لوحظ في الفترة الأخيرة انتشار محاولات اختراق الهواتف والأجهزة الإلكترونية من خلال إرسال روابط مشبوهة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل واتساب وماسنجر وفيسبوك ومنصة إكس وغيرها، حيث يُطلب من الضحية الضغط على رابط إلكتروني قد يؤدي إلى سرقة بياناته أو اختراق حساباته أو استغلال معلوماته الشخصية.
ومن أخطر هذه الأساليب أن يقوم المحتالون بإنشاء صفحات وهمية تحمل صور أشخاص معروفين أو شخصيات ذات مكانة اجتماعية أو علاقات واسعة، ثم ينتحلون هوياتهم للتواصل مع أصدقائهم ومعارفهم، مستغلين ما تحظى به هذه الشخصيات من ثقة ومصداقية لدى الآخرين. وقد تتضمن الرسائل طلب تحويل مبالغ مالية بصورة عاجلة، أو تقديم بيانات البطاقات البنكية، أو مشاركة رموز التحقق، أو الضغط على روابط تبدو للوهلة الأولى طبيعية وآمنة.
إن خطورة هذه الجرائم لا تكمن في الوسيلة التقنية وحدها، بل في قدرة المحتال على استغلال الثقة الإنسانية والعاطفة الاجتماعية.
فقد يتلقى الشخص رسالة من صديق مقرّب أو قريب أو زميل عمل يطلب منه المساعدة المالية أو يرسل إليه رابطًا إلكترونيًا، فيتجاوب معه دون تردد، اعتقادًا منه أن الرسالة صادرة عن شخص يعرفه ويثق به. لكن الحقيقة أن حساب ذلك الصديق قد يكون مخترقًا، أو أن شخصًا آخر ينتحل هويته، فيتحول القرب الاجتماعي إلى مدخل للاحتيال، وتصبح الثقة التي يفترض أن تجمع الناس وسيلة يستغلها المجرمون لتحقيق أهدافهم.
ومن هنا، فإن قوة الصداقة والعلاقات الاجتماعية، على أهميتها، يجب ألا تلغي التحقق والتأكد، فالتصرف بحسن نية لا يعني الاستجابة الفورية لكل طلب إلكتروني، ولا ينبغي أن يمنعنا الحياء أو الحرج من الاتصال بصاحب الرسالة والتأكد من صحتها قبل اتخاذ أي إجراء.
ولا تقف هذه الجرائم عند حدود سرقة الأموال والبيانات، بل تتجاوزها أحيانًا إلى الابتزاز الإلكتروني ذي الطابع الأخلاقي، من خلال استدراج الضحايا أو الحصول على صورهم ومعلوماتهم الخاصة، ثم تهديدهم بنشرها أو الإساءة إليهم بهدف إجبارهم على دفع الأموال أو الاستجابة لمطالب غير مشروعة. وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تستهدف فئة الشباب وطلبة المدارس والجامعات، لما قد تتركه من آثار نفسية واجتماعية وأسرية خطيرة.
مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بالحلول التقنية وحدها، بل تتطلب بناء وعي مجتمعي راسخ يجعل الوقاية سلوكًا يوميًا وثقافة عامة. وهنا تبرز أهمية تكثيف برامج التوعية في المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المحلي، وتعريف الطلبة وأفراد المجتمع بأساليب الاحتيال الحديثة، وكيفية اكتشاف الحسابات الوهمية والروابط المشبوهة، والتعامل السليم مع الرسائل التي تتضمن طلبات مالية أو معلومات شخصية.
كما تقع على الأسرة مسؤولية مهمة في توجيه الأبناء إلى الاستخدام الآمن للإنترنت، وتعزيز ثقافة الحوار والإبلاغ عن أي محاولة تهديد أو ابتزاز دون خوف أو خجل، مع التأكيد أن الضحية ليست مسؤولة عن الجريمة التي ارتُكبت بحقها، وأن طلب المساعدة المبكرة يسهم في الحد من الأضرار.
ومن أبرز الإرشادات التي ينبغي أن تصبح قاعدة لدى الجميع:
1. عدم الضغط على الروابط المجهولة أو المشبوهة، حتى لو وصلت من حساب صديق أو شخص معروف.
2. التحقق من هوية المرسل، خصوصًا عند طلب الأموال أو المساعدة العاجلة، وذلك بالاتصال به عبر رقم معروف أو وسيلة اتصال مستقلة عن الحساب المشكوك فيه.
3. عدم مشاركة أرقام البطاقات البنكية أو كلمات المرور أو رموز التحقق مع أي شخص عبر الرسائل أو المكالمات غير الموثوقة.
4. عدم تحويل الأموال بناءً على رسالة إلكترونية فقط، مهما كانت درجة القرابة أو الصداقة، قبل التأكد المباشر من صاحب الطلب.
5. تعزيز الحماية الرقمية باستخدام كلمات مرور قوية ومختلفة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وتحديث الأجهزة والتطبيقات باستمرار.
6. عدم الاستجابة لتهديدات الابتزاز الإلكتروني أو إرسال المزيد من الصور والمعلومات أو الأموال للمبتز، مع الاحتفاظ بالأدلة والإبلاغ للجهات المختصة وطلب المساعدة الموثوقة.
7. نشر ثقافة الإبلاغ والتوعية داخل المدارس والجامعات والمؤسسات، بحيث يصبح كل فرد شريكًا في حماية مجتمعه من هذه الجرائم.
وفي حال الاشتباه باختراق حساب أو جهاز، ينبغي استخدام جهاز آمن لتغيير كلمات المرور المتأثرة، وإنهاء الجلسات غير المعروفة، والتواصل مع البنك فورًا إذا كانت المعلومات المالية معرضة للخطر، والإبلاغ عن الحادث لدى الجهات المختصة.
الوعي مسؤولية وطنية
إن الجرائم الإلكترونية لا تعترف بالحدود الجغرافية، فقد تقف وراءها أفراد أو مجموعات منظمة تعمل من داخل الدولة أو خارجها، الأمر الذي يستدعي تعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية والتعليمية والمصرفية والإعلامية، إلى جانب رفع مستوى الثقافة الرقمية لدى المواطنين والمقيمين.
وفي الأردن، فإن الاستثمار في التوعية المجتمعية يمثل ضرورة لحماية الأفراد وممتلكاتهم وخصوصيتهم، ولا يقل أهمية عن تطوير الأنظمة التقنية والتشريعات والإجراءات الأمنية. فكلما ارتفع مستوى الوعي، تراجعت فرص نجاح المحتالين في استغلال الثقة والعاطفة والجهل بأساليب الاحتيال الحديثة.
الخلاصة: لا تجعل ثقتك بالآخرين سببًا لخسارتك، ولا تجعل عاطفتك تسبق تحققك.
إن رسالة المساعدة قد تكون حقيقية، وقد تكون فخًا إلكترونيًا، والصورة التي تراها قد تكون لشخص تعرفه، لكن من يستخدم الحساب قد لا يكون صاحبه. لذلك، فإن الاتصال المباشر والتحقق قبل الضغط على الرابط أو تحويل المال أو مشاركة البيانات قد يحميك ويحمي أسرتك وأصدقاءك من خسائر يصعب تعويضها.
فلنجعل الوعي الرقمي ثقافة مجتمعية، والتحقق عادة يومية، وحماية أبنائنا من الاحتيال والابتزاز مسؤولية مشتركة؛ لأن الوقاية تبدأ برسالة توعية، وقد تنتهي بإنقاذ إنسان من الوقوع ضحية لجريمة إلكترونية.









