×
آخر الأخبار

الدريني يكتب : المجلس البرلماني الطلابي المدرسة التي تُعلّم أبناءها معنى الوطن

الدريني يكتب : المجلس البرلماني الطلابي المدرسة التي تُعلّم أبناءها معنى الوطن
22 الإعلامي   -

بقلم: عمر الدريني

موعد العرس الوطني الطلابي: يوم الخميس 22-10-2026

لا يحتاج الطالب إلى الانتظار حتى يكبر ليبدأ علاقته بالوطن؛ فهذه العلاقة تتشكل في تفاصيل حياته اليومية، في احترامه للنظام، وفي محافظته على ممتلكات مدرسته، وفي تعامله مع زملائه، وفي إحساسه بأن المكان الذي يتعلم فيه ليس مسؤولية الإدارة والمعلمين وحدهم، بل مساحة مشتركة ينتمي إليها الجميع، ومن هذه التفاصيل الصغيرة يبدأ معنى الانتماء الحقيقي، بعيدًا عن الاكتفاء بالشعارات التي تتردد في المناسبات.

وتأتي المجالس البرلمانية الطلابية لتمنح هذا المعنى فرصة عملية للظهور، فالطالب حين يشارك في اختيار ممثليه، أو يعرض فكرة لتحسين البيئة المدرسية، أو يناقش مشكلة تواجه زملاءه، يتعلم أن الانتماء ليس شعورًا داخليًا فحسب، بل سلوك يتطلب المبادرة وتحمل المسؤولية، إنه ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع المشارك، ويدرك أن المدرسة يمكن أن تصبح أفضل حين يسهم أبناؤها في تطويرها، كلٌّ من موقعه وبحسب قدرته.

ولا ينبغي أن يُفهم الانتماء الوطني على أنه اتفاق دائم بين الجميع أو غياب للاختلاف، فالمجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان يضم آراء متعددة واحتياجات متنوعة، والمدرسة نفسها ليست استثناءً، قد يرى طالب أن المشكلة الأهم هي النظافة، بينما يعتقد آخر أن الأولوية لتنظيم الأنشطة، ويرى ثالث ضرورة الاهتمام بمساحات القراءة أو الرياضة، وليس في هذا التنوع ما يضعف الانتماء؛ بل إن طريقة إدارة الاختلاف هي التي تكشف مدى نضج المشاركة، وقدرة الطلبة على البحث عن حلول تراعي المصلحة المشتركة.

ومن هنا، يمكن للمجلس الطلابي أن يكون مساحة يتعلم فيها الطلبة معنى المسؤولية تجاه المكان والناس، فبدل أن يكتفي الطالب بانتقاد مشكلة في المدرسة، يتدرب على صياغة مقترح بشأنها، والاستماع إلى آراء الآخرين، وفهم الإمكانات المتاحة، ثم متابعة ما يمكن عمله، وقد لا تُحل كل المشكلات، لكن الطالب يتعلم أن المبادرة أفضل من اللامبالاة، وأن الحلول الواقعية تبدأ بتحديد المشكلة ومعرفة أسبابها.

ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر حين تتعاون إدارة المدرسة والمعلمون والطلبة في تحديد المبادرات الممكنة، فالمحافظة على الممتلكات، وتحسين البيئة الصفية، وتنظيم الأنشطة الثقافية والرياضية، وتشجيع القراءة، كلها أمثلة يمكن أن تتحول إلى أعمال مشتركة إذا خُطط لها بعناية، ولا يشترط أن تكون المبادرة كبيرة حتى تترك أثرًا؛ فقد يبدأ التغيير من تنظيم زاوية قراءة، أو معالجة سلوك يضر بالمرافق، أو اقتراح نشاط يقرّب الطلبة من بعضهم.

لكن من المهم ألا يتحول الحديث عن الانتماء إلى وسيلة لمطالبة الطلبة بالصمت عن المشكلات، فالطالب الذي يلفت الانتباه إلى خلل في مدرسته لا ينتقص من مكانتها بالضرورة؛ قد يكون، على العكس، حريصًا على أن تكون أفضل، والانتماء الواعي لا يلغي النقد، بل يمنحه غايته وحدوده: أن يكون محترمًا، قائمًا على الوقائع، وموجهًا نحو الإصلاح لا التشهير، وهذه قيمة ينبغي أن يتعلمها الطلبة في الممارسة، حتى يدركوا أن حب المكان لا يعني تجاهل ما يحتاج إلى تطوير.

كما أن الانتماء لا يُقاس بمقدار الحماسة في يوم الاحتفال وحده، فالمناسبات الوطنية تمنح المجتمع فرصة للتعبير عن اعتزازه، لكن المعنى يستمر حين تتحول القيم إلى سلوك يومي، وعندما يلتزم الطالب بواجبه، ويحترم زميله، ويشارك في عمل جماعي، فإنه يترجم انتماءه إلى أفعال يمكن رؤيتها، لا إلى كلمات تُقال ثم تنتهي المناسبة.

ومن واجب المدرسة أن تتيح للطلبة فرصًا عادلة للمشاركة، وألا تجعل المجلس الطلابي حكرًا على فئة محددة أو مجموعة من أصحاب الحضور القوي، فالوطن يتسع لأبنائه باختلاف قدراتهم واهتماماتهم، والمدرسة تستطيع أن تعكس هذا المعنى حين تتيح للجميع التعبير والمبادرة والتعاون.

إن المجلس البرلماني الطلابي ليس بديلًا عن دور الأسرة أو المعلم أو الإدارة، لكنه شريك تربوي يساعد الطالب على فهم علاقته بمجتمعه، ومن خلاله يمكن أن يتعلم أن الحقوق تقترن بالواجبات، وأن المكان المشترك يحتاج إلى رعاية، وأن الإصلاح يبدأ حين يتوقف الإنسان عن انتظار الآخرين في كل مرة.

فالمدرسة التي تُعلّم أبناءها معنى الوطن لا تكتفي بأن تطلب منهم التعبير عن حبهم له؛ إنها تمنحهم الفرصة ليمارسوا هذا الحب في سلوكهم، وفي طريقة اختلافهم، وفي قدرتهم على العمل من أجل المصلحة العامة، وحين يغادر الطالب مدرسته وهو أكثر استعدادًا للمشاركة، وأكثر احترامًا للآخرين، وأكثر حرصًا على المكان الذي يجمعهم، تكون المدرسة قد أسهمت في بناء انتماء يتجاوز حدود الجدران إلى حياة المجتمع كله.