د. حمدي محمود / باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية المعاصرة
لا يمكن قراءة فوز عبد الرحمن السيد (Abdul El-Sayed) في ميشيغان باعتباره مجرد انتصار انتخابي داخل المنافسة الحزبية الأميركية، بل بوصفه مؤشرًا على تحولات أعمق في بنية النخبة السياسية، وطبيعة العلاقة بين الناخب ومؤسسات السلطة، وحدود تأثير المال السياسي والاستقطاب الأيديولوجي في توجيه الخيارات الانتخابية. فالمشهد يعكس تراجعًا نسبيًا في قدرة النخب التقليدية على التحكم في اتجاهات التصويت، وتصاعد مطالب اجتماعية وسياسية بإعادة ترتيب أولويات الحكم، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة في الوعود الانتخابية.
وتكتسب التجربة دلالة إضافية من الخلفية الإسلامية للسيد، وما يمثله وصوله إلى موقع سياسي متقدم من تطور في مسار مشاركة الأقليات الدينية والثقافية داخل المؤسسات الأميركية. فالمواطنة الديمقراطية لا تكتمل بمجرد الاعتراف بالتنوع، وإنما بقدرة المواطنين، بصرف النظر عن أصولهم ومعتقداتهم، على الوصول إلى مواقع التأثير وصناعة القرار. وفي المقابل، كشفت المنافسة عن استمرار توظيف الإسلاموفوبيا والتشكيك في الولاء الوطني أداةً للمواجهة السياسية، من خلال محاولة نقل النقاش من البرامج والسياسات إلى الهوية والانتماء. غير أن هذه الممارسات تطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الخطاب الإقصائي على الاستمرار في التأثير عندما تصبح الأزمات المعيشية أكثر إلحاحًا لدى الناخبين.
وعلى الجانب الديمقراطي، تعكس تجربة السيد اتساع الفجوة بين قطاعات من القواعد الانتخابية والقيادات التقليدية للحزب، مع تزايد الميل إلى دعم مرشحين يتبنون برامج أكثر جرأة في ملفات العدالة الاقتصادية والرعاية الصحية والحد من نفوذ الشركات الكبرى وإصلاح تمويل الحملات الانتخابية. وهي مطالب تعبر عن اعتراض أوسع على اختلال توزيع الثروة والنفوذ، وعلى تنامي الشعور بأن القرار السياسي أصبح أكثر استجابة لمصالح أصحاب رأس المال وجماعات الضغط منه لاحتياجات المواطن العادي.
أما الحزب الجمهوري، فيواجه تحديات تتجاوز خسارة المنافسة الانتخابية، وترتبط بتداعيات سياسات إدارة دونالد ترامب، وارتفاع تكاليف المعيشة، والجدل حول الرسوم الجمركية، والانقسامات داخل التيار المحافظ. كما أن الارتباط المتزايد بين هوية الحزب وشخص ترامب منحه قدرة كبيرة على التعبئة، لكنه جعله أكثر تعرضًا لتبعات قرارات الرئيس وتراجع شعبيته. فالأحزاب القوية لا تقوم على الولاء لشخص واحد، وإنما على قدرتها على تجديد القيادات وتطوير البرامج وإدارة الاختلافات.
وتكشف التجربة كذلك عن تداخل متزايد بين السياسة الخارجية والحسابات الانتخابية الداخلية. فالانخراط في مواجهات عسكرية، ومنها الحرب مع إيران وفق سياق المقال، يضع خطاب أولوية الداخل الأميركي أمام اختبار حقيقي، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على أسعار الطاقة والإنفاق العام والاستقرار الاقتصادي. ولم يعد المواطن ينظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها شأنًا منفصلًا عن حياته اليومية، بل أصبح أكثر إدراكًا لارتباط القرارات الدولية بأمنه المعيشي ومصالحه الاقتصادية.
وفي سياق متصل، برزت قضية المال السياسي وجماعات الضغط، ولا سيما دور لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، في النقاش المرتبط بمواقف السيد من إسرائيل والمساعدات العسكرية الأميركية. وتكشف هذه القضية عن تحول مهم في النقاش السياسي الأميركي، حيث لم تعد القضية الفلسطينية والحرب في غزة محصورتين في دوائر السياسة الخارجية، بل أصبحتا جزءًا من المنافسة الداخلية، خصوصًا بين قطاعات من الشباب والتقدميين والناخبين العرب والمسلمين. ومع أن ذلك لا يعني تحولًا وشيكًا في طبيعة التحالف الأميركي الإسرائيلي، فإنه يعكس اتساع مساحة مساءلة السياسات التقليدية وحدود الدعم العسكري.
وتكتسب ميشيغان خصوصيتها من تنوعها السكاني وثقلها الصناعي والعمالي وحضور الجاليات العربية والإسلامية. وقد أتاحت هذه البيئة بناء تحالف انتخابي يتجاوز الهوية الدينية إلى قضايا مشتركة تتعلق بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية والاقتصاد والسياسة الخارجية. ومن المهم هنا عدم اختزال أي نجاح انتخابي في أصوات جماعة بعينها؛ فالتمثيل السياسي الفاعل يتطلب القدرة على بناء تحالفات عابرة للخلفيات والانتماءات.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى المؤسسات لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير سياساتها. فالتحدي الحقيقي أمام السيد يتمثل في تحويل التفويض الانتخابي إلى تأثير تشريعي ملموس، وبناء توافقات داخل المؤسسة الحزبية، والحفاظ على استقلالية الموقف السياسي. كما أن الديمقراطيين مطالبون بتحويل حالة الاستياء من الجمهوريين إلى مشروع متكامل، لا الاكتفاء بمكاسب انتخابية مؤقتة؛ فالتصويت العقابي لا يمثل بالضرورة تفويضًا مفتوحًا للبديل.
في النهاية، تتجاوز أهمية تجربة عبد الرحمن السيد حدود ميشيغان، لتكشف عن تغيرات في العلاقة بين الهوية والمواطنة، وبين المال السياسي والإرادة الشعبية، وبين القيادة الشخصية والمؤسسات الحزبية. ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية إعادة تشكيل حقيقية للنخبة السياسية الأميركية، أم مجرد موجة احتجاج انتخابي فرضتها ظروف استثنائية؟ ستتحدد الإجابة بمدى قدرة القوى السياسية على تقديم حلول واقعية، وبما يستطيع السيد تحقيقه بعد الوصول إلى موقع التأثير. فالتغيير لا يُقاس فقط بمن يفوز بالانتخابات، وإنما بقدرته على تحويل ثقة الناخبين إلى سياسات ونتائج ملموسة.









