حسام صندوقه - يتعرض الجميع لمواقف مفاجئة تتنوع بين التأخر أو النقد الجارح أو سماع الأخبار السيئة؛ وبينما يُظهر البعض تماسكاً نسبياً في مواجهة هذه الضغوط، يتأثر آخرون لساعات أو أيام. هذا التباين يعزوه علماء النفس إلى مفهوم يُعرف بـ "الثبات الانفعالي" (Emotional Stability)، وهو سمة شخصية خضعت للدراسة العقود الماضية ضمن نموذج "السمات الخمس الكبرى"، ورغم أهميتها، غالباً ما يُساء فهمها باعتبارها نوعاً من البرود أو كتمان المشاعر.
وفيما يلي استعراض لأبرز 7 ركائز علمية تفسر مفهوم الثبات الانفعالي وتأثيره في حياة الإنسان:
1. الوجه المقابل لـ "العُصابية"
يستخدم الباحثون مصطلح "الثبات الانفعالي" للدلالة على الطرف المعاكس لصفة "العُصابية" (Neuroticism) في نموذج السمات الخمس الكبرى (الذي يضم أيضاً: الانفتاح، والضمير الحي، والقبول). وأوضح عالم النفس برنت روبرتس، من جامعة إلينوي، أن أصحاب مستويات العُصابية المرتفعة يميلون إلى القلق وتقلب المزاج ورؤية الأحداث كتهديدات، بينما يتسم أصحاب الثبات الانفعالي باستجابات أهدأ وأكثر تناسباً مع حجم الموقف.
2. الفارق بين "إعادة التقييم" و"الكبت"
لا يعني الثبات الانفعالي غياب القلق أو الغضب، بل كيفية إدارتهما. ويطرح عالم النفس جيمس جروس "النموذج العملياتي لتنظيم الانفعال"، مُميزاً بين استراتيجيتين رئيسيتين: "إعادة التقييم المعرفي" (تغيير طريقة التفكير في الموقف لتعديل أثره العاطفي)، و"الكبت التعبيري" (محاولة إخفاء مظاهر الانفعال). وتؤكد المراجعات التجريبية أن إعادة التقييم أكثر صحة على المدى القريب والبعيد دون التعطيل للعمليات المعرفية، في حين يرتبط الكبت بتنشيط استجابات الجهاز العصبي الودي واللوزة الدماغية، رغم أن الكبت قد يكون مفيداً في حالات استثنائية للحفاظ على العلاقات أو الوظيفة.
3. الجذور الوراثية والبيئية
كشفت دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة Emotion وشملت 743 زوجاً من التوائم، أن العوامل الوراثية تفسر نحو 41% من الاختلافات في مستويات العُصابية، بينما بلغت نسبة التأثير الوراثي في مهارة "إعادة التقييم المعرفي" نحو 20% فقط. وتؤكد هذه النتائج أن التحكم الانفعالي ليس قدراً جينياً ثابتاً، بل مهارة قابلة للتطور عبر التجارب والتعلم والتدخلات النفسية.
4. النضج مع التقدم في العمر
تُشير أدبيات تطور الشخصية إلى "مبدأ النضج"، حيث تميل العُصابية إلى الانخفاض ويتزايد الثبات الانفعالي مع التقدم في العمر. ووفق دراسة لروبرتس وزميليه عام 2006 نُشرت في Psychological Bulletin، تُعد الفئة العمرية من 18 إلى أواخر العشرينيات أكثر الفترات تشكلاً. كما أظهرت تحليلات حديثة أن الثبات الانفعالي ينمو باطراد عبر مراحل الحياة، متأثراً بالانتقالات الحياتية والوظيفية.
5. دور العلاج النفسي في التغيير
أظهرت مراجعة علمية شملت 207 دراسات (روبرتس، 2017) أن التدخلات العلاجية أحدثت تغيرات ملموسة في الشخصية خلال متوسط 24 أسبوعاً، وكان الثبات الانفعالي أكثر السمات استجابة للعلاج. واستمرت هذه النتائج في فترات المتابعة، لا سيما لدى الذين يعانون اضطرابات القلق، مما يؤكد قدرة العلاج النفسي على إحداث تحول ملموس في نمط التفكير والاستجابة.
6. الأهمية المحورية للصحة العامة
أكد الباحث بنجامين لاهي، في ورقة علمية عام 2009 بمجلة American Psychologist، أن ارتفاع العُصابية يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بمشكلات صحية وجسدية مثل أمراض القلب، واضطرابات المناعة، والربو، والقولون العصبي. وعلى العكس، يقترن الثبات الانفعالي بمؤشرات صحية أفضل وقدرة أعلى على التعامل مع الضغوط.
7. سمة شخصية وليس تشخيصاً طبياً
يبقى الثبات الانفعالي وصافاً لسمة شخصية وليس تشخيصاً طبياً. ولا تغني الاختبارات المتاحة على الإنترنت عن التقييم المتخصص؛ فإذا كان القلق أو الحزن مستمراً ويعطل مجريات الحياة اليومية والنوم والعمل، فإن استشارة الطبيب أو الأخصائي النفسي هي الخطوة الأهم للحصول على الدعم المباشر.









