×
آخر الأخبار

سلعوس يكتب : حين ينهار جدار الأبوة: قراءة شرعية وأسرية في جريمة تهز الضمير الإنساني

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : د. محمد نادر سلعوس / باحث في الدراسات الأسرية والقانونية / حاصل على دكتوراه في القضاء الشرعي

شهد المجتمع الأردني اليوم حادثة مأساوية بالغة الخطورة لا يمكن وصفها إلا بأنها فاجعة إنسانية وأخلاقية كبرى تمثلت في قيام أب بإنهاء حياة اطفاله الثلاثة، مما يكشف عن اختلالات خطيرة على المستويين القيمي والأسرى.
        وذلك يستدعي التوقف والتأمل في الأسباب والانعكاسات التي أدت إلى ظهور هذا المشهد المروع، ويستدعي منا وقفة جادة لمساءلة منظومتنا التربوية والاجتماعية والنفسية بعيداً عن أي انفعال عاطفي أو توظيف اعلامي متحيز.
الأبوة في ميزان الشريعة: تكليف لا تملّك
          في المنظور الإسلامي الأبوة لا تُختزل في سلطة أو رابطة دم، ولا تضفي أيضاً على الأب سلطة مطلقة في التصرف في أرواح الأبناء، بل هي تكليف ثقيل وأمانة شرعية يُحاسَب صاحبها قبل أن تُمنح له شرعًا
        يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6)
      فالآية تحمل الوالدين مسؤولية حماية الأبناء من الهلاك الدنيوي والأخروي وتجعل منه واجبًا شرعيًا، لا خيارًا خاضعًا للانفعالات، وجعل النبي ﷺ ذلك قاعدة أخلاقية حاسمة بقوله:
"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
       ومن هنا فإن ما حدث ليس تقصيرًا في الرعاية وأداء الدور الأبوي، بل نقضًا له، وجريمة تتفق كل القيم على تجريمها عقلاً، وفطرةً، وقانونًا.
تحويل الصراع الزوجي إلى ساحة للانتقام عبر الأبناء
        وفق المعلومات الأولية، فإن الجريمة وقعت في ظل خلافات زوجية حادة وضغوط نفسية متراكمة، وهو مسلك حذرت منه الدراسات الأسرية مرارًا وتكرارًا يتمثل في تحول الخلاف الزوجي إلى انفجار اجرامي
       فالأبناء في الشريعة ليسوا طرفًا في النزاع، ولا أدوات للضغط، ولا ساحة لتصفية الحسابات بين الأزواج يقول تعالى:﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164)
     فكيف إذا كان “الوزر” هو دفع ثمن صراعٍ نفسي لم يختاروه، ولا قدرة لهم على دفعه؟

القضاء والعدالة: بين الحق العام وحق الله
       تعد هذه الواقعة في ميزان القضاء الشرعي والوضعي معًا من أشد صور العدوان وأغلظها 
على النفس المعصومة التي صانها الشرع والقانون.
       والعدالة لا تكون بغرض للانتقام، بل لصيانة المجتمع وردع الجريمة وتحقيق الإنصاف. ومع ضرورة القضاء الدنيوي، يبقى الإيمان راسخًا بأن دم المظلوم لا يضيع، وأن عدل الله نافذ وإن تأخر، وأن الحساب الأخروي هو الفصل الأخير.
مسؤوليتنا بعد الصدمة
       إن الاكتفاء بالحزن أو الغضب لا يرقى إلى مستوى المسؤولية المطلوبة في مثل هذه القضايا، ولا يحقق الحماية المطلوبة للمجتمع، فلا بد للانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الوعي والإصلاح، وذلك من خلال:
1.    تعزيز ثقافة الصحة النفسية داخل الأسرة، واعتبار الاضطرابات والضغوط تحديات تستوجب العلاج.
2.    تفعيل دور الإرشاد الأسري وجعله إلزاميًا عند تفاقم النزاعات الزوجية قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد سلامة الأبناء.
3.    دعم قنوات التدخل المبكر عبر المدارس والمؤسسات الاجتماعية لرصد مؤشرات الخطر الأسري والتعامل معها بفعالية.
4.    ضبط الخطاب الإعلامي، والامتناع عن تداول الصور أو المقاطع احترامًا للضحايا وصونًا للأخلاق العامة.
الخاتمة
     ليست هذه الجريمة رقمًا في سجل الأخبار، بل جرس إنذار يكشف تقصيرًا إذا لم يعالج بجدية قد يعيد المأساة. فالدفاع عن الأسرة اليوم واجب جامع، تتلاقى فيه المسؤولية الشرعية مع الأخلاقية والوطنية.
     رحم الله الأطفال الأبرياء، وجبر قلوب المفجوعين، وحفظ مجتمعاتنا من كل مكروه وسوء.