بقلم : أ.د. محمد الفرجات
في عالم يتغير بسرعة مذهلة، لم تعد المدن مجرد تجمعات سكانية وإسمنتية، بل أصبحت منصات اقتصادية ذكية تتنافس على استقطاب العقول والاستثمارات والتكنولوجيا.
ومن هنا، تبدو فكرة “مدينة المغتربين الذكية” التي طرحناها صيف عام 2016، وكأنها قراءة مبكرة وعميقة لمستقبل التنمية الاقتصادية في الأردن والمنطقة، وربما تمثل اليوم أحد أهم المفاتيح الفكرية والتنموية لفهم أهمية مشروع مدينة الماضونة الجديدة في الأردن.
لقد انطلقت الفكرة لدينا من سؤال جوهري: لماذا لا يؤسس الأردن مدينة حديثة تستقطب أبناءه المغتربين وخبراتهم ورؤوس أموالهم، بدل أن تبقى هذه الطاقات موزعة حول العالم؟ ولماذا لا يتحول الحنين للوطن إلى مشروع اقتصادي إنتاجي عملاق يقود نهضة وطنية شاملة؟
من هنا جاءت رؤية “مدينة المغتربين الذكية”، كمدينة أردنية مستقبلية تتسع لمليون نسمة، تقوم على التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والاقتصاد المعرفي والاستدامة البيئية، وتوفر بيئة حياة تضاهي المدن الخليجية والأوروبية من حيث التنظيم، والبنية التحتية، والخدمات، والرفاه المجتمعي، وفرص العمل النوعية.
واليوم، ومع الحديث عن مشروع مدينة الماضونة الجديدة، فإن هذه الرؤية تبدو أكثر واقعية وقابلية للتطبيق من أي وقت مضى، خاصة أن الأردن بات بحاجة ماسة إلى محركات اقتصادية كبرى غير تقليدية، تعيد تشكيل المشهد التنموي وتفتح آفاقا جديدة للنمو والتشغيل والاستثمار.
الفكرة لم تكن مجرد مشروع إسكان أو توسع عمراني، بل مشروع دولة اقتصادي متكامل، يقوم على استقطاب العقول الأردنية المهاجرة والخبرات العالمية، وبناء بيئة إنتاجية متقدمة تعتمد على:
الذكاء الاصطناعي
الصناعات التكنولوجية
الطباعة ثلاثية الأبعاد
النانوتكنولوجي
الطاقة المتجددة
الزراعة الذكية
البحث العلمي التطبيقي
الاقتصاد الرقمي
كما تضمنت الرؤية إنشاء مستشفى مرجعي عالمي، وجامعة تقنية متقدمة، ومدارس ريادية، ومنظومة نقل ذكية، وأبنية خضراء، وحلول مستدامة لإدارة المياه والطاقة والنفايات.
الأهم من ذلك أن المشروع اعتمد على مفهوم “الصندوق الاستثماري للمغتربين”، ليكون شراكة وطنية كبرى تجمع المغتربين، والبنوك، والقطاع الخاص، والنقابات، والحكومة، وحتى شركاء استراتيجيين من الدول الشقيقة، ضمن نموذج اقتصادي تشاركي يعيد توظيف الأموال الأردنية المهاجرة داخل الوطن.
وبحسب التصور الأولي، فإن المشروع قادر على تحقيق ما يقارب 50 مليار دينار خلال عشر سنوات في الناتج القومي الإجمالي للمملكة، عبر خلق دورة اقتصادية هائلة تشمل قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات والتعليم والصحة والطاقة والنقل.
إن الحديث عن “مدينة الماضونة” اليوم يجب ألا يُختزل في البعد العمراني فقط، بل ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة تاريخية لإطلاق أول مدينة أردنية ذكية إنتاجية قائمة على اقتصاد المستقبل، تكون منصة لاستقطاب الكفاءات الأردنية والعربية والعالمية، ومركزا إقليميا للصناعات المعرفية والتكنولوجية.
فالأردن يمتلك ما لا تمتلكه دول كثيرة:
موقعا جغرافيا استراتيجيا
استقرارا سياسيا وأمنيا
كفاءات بشرية عالية
قطاعا تعليميا متقدما
خبرات مغتربة ناجحة حول العالم
إرثا مؤسسيا ودبلوماسيا قويا
لكن ما يحتاجه فعليا هو المشروع الوطني الاقتصادي الكبير القادر على تجميع هذه العناصر ضمن رؤية واحدة.
ومن هنا، فإن مدينة المغتربين الذكية يمكن أن تشكل “الفتيل الحقيقي” لإطلاق مدينة الماضونة بروح مختلفة؛ روح المدينة المنتجة لا المدينة المستهلكة، المدينة التي تصنع الوظائف لا التي تنتظرها، المدينة التي تستقطب العقول لا التي تودعها في المطارات.
لقد أثبتت تجارب العالم أن المدن الجديدة الناجحة لم تكن مجرد أبراج وطرق، بل كانت مشاريع اقتصادية قائمة على فكرة واضحة وهوية استثمارية محددة. دبي مثلا بنت هويتها على التجارة والخدمات والمال، ومدينة نيوم السعودية تبنى على التكنولوجيا والاستدامة والذكاء الاصطناعي، فيما يمكن للأردن أن يبني مدينته الجديدة على الإنسان الأردني نفسه؛ على علمه وخبرته وانتشاره العالمي.
إن مشروعا بهذه الضخامة يحتاج إلى إرادة وطنية جامعة، وحوار اقتصادي عميق، وورش عمل تخصصية، ومشاركة حقيقية من المغتربين والخبراء والقطاع الخاص والدولة، ليصبح مشروعا وطنيا نهضويا طويل الأمد، لا مجرد فكرة عابرة.
واليوم، وبعد سنوات من الأزمات الاقتصادية العالمية، وتداعيات كورونا، والتحولات الجيوسياسية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا لإطلاق مشاريع وطنية كبرى تعيد الثقة بالمستقبل، وتمنح الشباب أملا، وتفتح أبواب العودة للكفاءات الأردنية المهاجرة.
إن مدينة المغتربين الذكية ليست حلما خياليا، بل رؤية اقتصادية تنموية قابلة للتطبيق إذا ما توفرت الإدارة والرؤية والشراكة والإرادة.
وربما تكون مدينة الماضونة الفرصة التاريخية التي ينتظرها الأردن ليبدأ مرحلة جديدة عنوانها: اقتصاد المعرفة، واستعادة العقول، وبناء مدينة المستقبل الأردنية.
أصحاب الفكرة والرؤية:
الأستاذ الدكتور محمد الفرجات
السيدة منال الشاويش






