بقلم: سامر جميل غدايرة
يحتفي الأردنيون في الخامس والعشرين من أيار في كل عام، بمناسبةٍ تعدُّ الأبهى والأغلى على قلوبهم؛ ففي هذا اليوم، يستذكر الوطن فصلاً تاريخياً مجيداً تجسّد في إعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، والذي جاء ثمرةً لصبرٍ طويل، وكفاحٍ مرير، وإرادةٍ صلبة لا تلين، نحو الانعتاق من قيود الانتداب وامتلاك حرية القرار وسيادة الدولة، التي كانت آنذاك تشقُّ طريقها في مرحلة التأسيس، متجاوزةً بجسارة ما واجهها من تحدياتٍ وعقباتٍ جسام.
وفي غمرة ابتهاجنا بهذا المنجز التاريخي العظيم، غدا من الواجب والوفاء أن نستذكر بالترحم والإجلال أصحاب الفضل من البناة الأوائل، والشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم دماءً زاكية فداءً للوطن، ووصولاً إلى هذا اليوم المجيد. إن هذا التاريخ يحمل في طياته قيماً ومعانٍ سامية يجدر بنا غرسها وإعادة إحيائها في نفوس الناشئة والأجيال القادمة؛ ليدركوا أن الاستقلال لم يكن هبةً سهلة المأخذ، بل انتُزع انتزاعاً من براثن الانتداب البريطاني الذي كان يهيمن على المفاصل الحيوية للدولة بموجب المعاهدة.
الاستقلال ليس مجرد مناسبة عابرة للاحتفال البرتوكولي، بل هو وقفة تملؤها العبر لاستذكار إرثٍ حضاريٍ عظيم سطره الأردنيون بحروف من نور قيادةً وشعباً. فقد أولى الهاشميون قضايا الأمة والوطن جُلّ عنايتهم، وقادوا شعبهم المعطاء بثقة واقتدار نحو إرساء القواعد المتينة لدولةٍ غدت واحةً للأمن والأمان؛ فشيدوا الصروح، وأعلوا البنيان، وصنعوا أمجاداً تناطح السحاب، وزرعوا قيم الانتماء في نفوس شعبٍ أخذ على نفسه عهداً أمام الله وقائده بأن يبذل الغالي والنفيس لتبقى راية الأردن خفاقةً في علياء المجد.
واليوم، يتجلى مفهوم الاستقلال لدى الأردنيين في الاستثمار في الإنسان الأردني باعتباره الثروة الأسمى، ليكون قوياً، متمكناً، ومثقفاً، وقادراً على مجابهة التحديات دفاعاً عن كرامته وكرامة وطنه اضافة الى مأسسة الدولة وريادة الشباب
و الاستقلال الحقيقي يترجمه بناء مؤسساتٍ تعليمية، وصحية، وأمنية، واقتصادية راسخة الأركان، ويمثله تحقيق العدالة والتوازن والنمو بسواعد أردنية وعقولٍ وطنية، تعظم الإنجازات الشاملة للأردن القائم على فكر الاعتدال وسياساته المتوازنة التي تضع المصالح الوطنية العليا فوق كل اعتبار.
وفي خضم هذه المسيرة الممتدة، يبرز الشباب الأردني كركيزةٍ أساسية لمستقبل الوطن ونهضته، فهم الشركاء الحقيقيون في صناعة القرار وحملة رسالة الدولة في ميادين العلم والعمل والإبداع. وقد أثبتت السواعد الشبابية عبر مختلف المحطات قدرتها الفائقة على تحمل المسؤولية بمواقف صلبة، فكانوا سياجاً للوطن ورواداً في مجالات التطوع، والابتكار، والعمل العام، مساهمين بفعالية في تعزيز مسيرة التحديث السياسي، والاقتصادي، والإداري التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم.
يظل الاستقلال صفحةً ناصعة ودرساً بليغاً في قدرة الدولة الأردنية على الصمود والثبات أمام الأمواج العاتية والتحولات الاستثنائية التي تعصف بالمحيط الإقليمي. فقد أثبت الأردن كفاءةً استثنائية في إدارة ملفات اللجوء الإنساني باقتدار ومسؤولية ونبل، مجسداً المعايير الدولية في الحفاظ على كرامة الإنسان بغض النظر عن منابته وأصوله.
بالرغم من شح الموارد الاقتصادية وقساوة الظروف الجيوسياسية المحيطة، إلا أن عناية الله -سبحانه وتعالى- كانت دائماً تسدد خُطى الدولة الأردنية، لتظل منارةً لخدمة الإنسانية، وليتكلل كفاحها المخلص بالرفعة والنجاح المستدام.






