بقلم : أ.د. محمد الفرجات
في ظل التحولات التنموية التي تشهدها العقبة، لم تعد المدينة مجرد نافذة بحرية أو منطقة إقتصادية خاصة، بل مشروعاً وطنياً كبيراً يتشكل تدريجياً وفقا لرؤى التطوير والتحديث، ويبحث عن مكونات نوعية قادرة على إسناد الإقتصاد الوطني وخلق فرص العمل وتعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً.
فالعقبة التي تمتلك مطارا دوليا وموانئ وبنية لوجستية متقدمة، ومع ما يفترض أن تشهده من تمدد عمراني وتنموي شمالاً، وتشابك مستقبلي مع وادي عربة ضمن مشاريع الطاقة والمياه والزراعة والصناعات الحديثة، تبدو اليوم أمام فرصة إضافية لا تقل أهمية عن بقية القطاعات، وهي قطاع الخدمات الطبية المتقدمة والسياحة العلاجية.
المستشفى التعليمي المرتبط بالجامعة الطبية في العقبة كمشروع نوعي يتجاوز مفهوم المستشفى التقليدي، لنتحدث هنا عن منظومة تجمع بين العلاج والتعليم والتدريب السريري والأبحاث الطبية في آن واحد.
إن المستشفيات التعليمية حول العالم لا تؤدي وظيفة علاجية فحسب، بل تشكل منصات لصناعة المعرفة الطبية وتخريج الكفاءات واستقطاب الخبرات، وتصبح مع الزمن مراكز للإبداع والإكتشاف الطبي والتخصصات الدقيقة، خاصة عندما ترتبط بجامعات فاعلة وبنية بحثية متقدمة.
والمستشفى التعليمي في العقبة، والذي سيتم افتتاحه قريباً ضمن منظومة الجامعة الطبية، يمثل إضافة نوعية للقطاع الصحي الأردني، ليس لخدمة العقبة والجنوب فحسب، وإنما ليكون جزءاً من مشروع صحي وتعليمي أكبر يخدم المملكة والمنطقة.
ومع المناخ المعتدل للعقبة، وسهولة الوصول إليها جوا وبحرا وبرا، ووجود بيئة آمنة ومستقرة، فإن الحديث عن تعزيز السياحة العلاجية لم يعد ترفاً فكرياً أو طرحاً بعيداً، بل فرصة إستثمارية وتنموية واقعية، خاصة مع تزايد الحاجة الإقليمية لمراكز علاج متقدمة ذات كفاءة وكلف مناسبة وقرب جغرافي وثقافي.
إننا نتأمل بهذا المستشفى التعليمي، ومع ما يمكن أن يتبعه مستقبلاً من توسعات تخصصية ومراكز أبحاث وشراكات دولية، أن يتطور تدريجياً ليقابل رؤية أوسع، وأن يصبح مركزاً إقليمياً ودولياً للإستشفاء والأبحاث الطبية والتخصصات الدقيقة.
فدول الخليج والعراق واليمن وليبيا وبعض الدول الإفريقية وغيرها، تبحث بصورة مستمرة عن وجهات علاجية موثوقة، والعقبة تمتلك كثيرا من المقومات الطبيعية واللوجستية التي تؤهلها للدخول بقوة إلى هذا القطاع إذا ما أحسن التخطيط والإستثمار والتشغيل.
إننا هنا لا نتحدث عن مستشفى جديد فقط، بل عن نواة مشروع تنموي صحي وتعليمي يمكن أن يشكل مستقبلاً أحد محركات العقبة الإقتصادية، ورافعة للإستثمار، ومصدراً لتدفق العملة الصعبة، وبيئة قادرة على توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ضمن نموذج أردني متقدم يدمج بين الطب والتعليم والتنمية المستدامة.






