×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : الدكتور محمد الفرجات

الفرجات يكتب : العقبة بين العطش والنمو الاقتصادي... هل آن أوان العودة إلى خزاناتها الجوفية المحلية؟

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم: أ.د. محمد الفرجات

قبل نحو ٢٣ عاما، تناولت في أطروحتي للدكتوراه المقدمة إلى جامعة يوليوس ماكسيميليان في فورتسبورغ بألمانيا (University of Würzburg)، بعنوان:
Hydrogeo-Eco-Systems in Aqaba/Jordan – Natural Settings, Impacts of Land Use, Spatial Vulnerability to Pollution and Sustainable Management
والتي نوقشت عام 2002، منظومة المياه الجوفية في العقبة بصورة شاملة، من خلال دراسات جيولوجية وهيدروجيولوجية وجيوفيزيائية وهيدروكيميائية ونماذج رياضية ونظم معلومات جغرافية، بهدف بناء قاعدة علمية لإدارة موارد العقبة المائية بصورة مستدامة.

واليوم، وبعد أكثر من عشرين عاماً، تبدو نتائج تلك الدراسة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالعقبة تعيش اليوم حالة شح مائي متزايدة تثير قلق السكان، في مدينة يزيد عدد سكانها على ربع مليون نسمة، وتقع في أكثر مناطق الأردن حرارة، حيث يعتمد معظم السكان على التبريد بواسطة المكيفات الصحراوية المستهلكة للمياه، في ظل غياب أي مصادر سطحية دائمة أو ينابيع طبيعية يمكن اللجوء إليها عند الأزمات.

ولا تقتصر المشكلة على محدودية المياه، بل تمتد إلى هشاشة منظومة التزويد نفسها.
فإذا تعرض ناقل مياه الديسي إلى أي عطل فني أو كارثة طبيعية، فإن العقبة تصبح عملياً بلا مصدر رئيسي للمياه.

وقد حدث ذلك بالفعل خلال فيضان وادي اليتم عام 2006، عندما انقطع ضخ المياه عن المدينة لنحو عشرة أيام، وهو إنذار مبكر كشف هشاشة الأمن المائي للمدينة بالكامل.
واليوم تتزايد الضغوط بصورة أكبر.
فالناقل نفسه لا يخدم المواطنين فقط، وإنما يغذي أيضاً الصناعات الثقيلة والمنشآت السياحية والاستثمارات الجديدة، ما يجعل جميع القطاعات تتنافس على المصدر ذاته.

وفي الوقت نفسه، تشير المعلومات إلى توقف مشروع تعزيز الخط الناقل للعقبة من الديسة، وعدم طرح عطائه حتى الآن، رغم التوسع العمراني والصناعي والسياحي الكبير.

كما أن صهاريج مياه الشرب التي يفترض أن تكون وسيلة إسناد للمواطنين عند الانقطاع، تكون في كثير من الأحيان مرتبطة بعقود خاصة مع جهات مختلفة، الأمر الذي قد يترك آلاف الأسر دون بدائل حقيقية أثناء الأزمات.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟
أظهرت نتائج الدراسة التي أجريتها أن العقبة ليست فقيرة بالمياه الجوفية المحلية كما يعتقد كثيرون، وإنما تمتلك عدة خزانات جوفية مهمة يمكن أن تشكل مخزوناً استراتيجياً للطوارئ وللاستخدامات غير المنزلية.

ومن أهم هذه الخزانات:
خزان العقبة الجوفي الواقع أسفل مدينة العقبة.
خزان وادي اليتم.
خزان جنوب وادي عربة شمال مطار العقبة.
وقد بينت الدراسة أن هذه الخزانات تتغذى بصورة رئيسية من مياه السيول القادمة عبر الأودية الجانبية، إضافة إلى التغذية المباشرة الناتجة عن الأمطار الشتوية، بينما يحصل خزان وادي اليتم على تغذية إضافية غير مباشرة من خزان الديسي عبر منظومة من الصدوع العميقة التي تخترق صخور الجرانيت وتسمح بانتقال المياه نحو الأعلى ثم إلى الرواسب الفتاتية الحاملة للمياه.

وتعد هذه النتيجة من أهم النتائج العلمية التي قدمتها الدراسة لفهم النظام الهيدروجيولوجي في المنطقة.

خزانات ذات خصائص واعدة:
أثبتت الدراسة أن الخزانات الجوفية في العقبة تتكون أساساً من رواسب فتاتية ذات مسامية جيدة تسمح بتخزين كميات معتبرة من المياه.
ورغم أن النفاذية العامة لهذه الرواسب ليست مرتفعة، إلا أنها تزداد بصورة واضحة في مناطق الصدوع والفوالق ومناطق الضعف البنيوي، حيث تتحول هذه المناطق إلى ممرات فعالة لحركة المياه الجوفية وإعادة تغذية الخزانات، حتى وإن كنا نتحدث عن خزان يتكون في غالبيته من رواسب فتاتية، والتي تصل بالسماكة عشرات مئات الأمتار فوق القرانيت وبالذات حوض العقبة الشمالي.

وقد تم إثبات ذلك من خلال المسوحات الجيوفيزيائية والدراسات الحقلية ونمذجة حركة المياه الجوفية ضمن الأطروحة.
كما بينت الدراسة أن الأودية والمراوح الفيضية تمثل مناطق التغذية الطبيعية الأساسية للخزانات، وأن الحفاظ عليها من التعديات العمرانية يمثل ضرورة استراتيجية لضمان استمرار التغذية مستقبلاً.

نوعية المياه... ليست للشرب:
أظهرت التحاليل الهيدروكيميائية التي أجريت خلال الدراسة أن نوعية المياه في هذه الخزانات مناسبة بصورة جيدة للاستخدامات الصناعية والزراعية.
أما في حالات الطوارئ، فإن جزءاً منها يمكن أن يستخدم كمياه شرب بعد معالجة بسيطة وفق متطلبات الصحة العامة، وهو ما يمنح العقبة احتياطياً استراتيجياً يجب عدم إهماله.

وهذا يعني أن استخدام هذه الخزانات لتزويد الصناعات وبعض الأنشطة الزراعية بالمياه يمكن أن يخفف الضغط عن مياه الديسي المخصصة للشرب، ويزيد من مرونة منظومة الأمن المائي في المدينة.

الأمن المائي لا يقوم على مصدر واحد:
تعتمد المدن الكبرى في العالم على تعدد مصادر المياه وليس على مصدر منفرد.
أما العقبة، التي تمثل البوابة البحرية الوحيدة للأردن، ومركزاً صناعياً وسياحياً واستثمارياً متسارع النمو، فما تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على ناقل واحد طويل يمتد عشرات الكيلومترات.
وهذا يمثل نقطة ضعف استراتيجية يجب معالجتها.

إن وجود خزانات جوفية محلية مدروسة علمياً يتيح بناء منظومة احتياطية للطوارئ، سواء عبر إنشاء آبار استراتيجية، أو حقول إنتاج احتياطية، أو أنظمة لإعادة تغذية الخزانات بمياه السيول، أو فصل استخدامات المياه بحيث تخصص مياه الديسي للشرب، بينما تستخدم المياه المحلية في الصناعة والزراعة وبعض الاستخدامات البلدية.

دعوة لإعادة تقييم علمي:
لقد مضى أكثر من عشرين عاماً على إنجاز هذه الدراسة، وخلال هذه الفترة تضاعف عدد السكان، واتسعت المناطق الصناعية والسياحية، وازدادت الضغوط على الموارد المائية بصورة كبيرة.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تقييم علمي شامل للخزانات الجوفية المحلية باستخدام التقنيات الحديثة، والتحقق من أوضاعها الحالية، وكميات المياه القابلة للاستخراج بصورة مستدامة، وإعادة إدراجها ضمن خطط الأمن المائي الوطني.

فالأمن المائي لا يعني فقط نقل المياه من مسافات بعيدة، بل يعني أيضاً معرفة ما نملكه تحت أقدامنا، وإدارته بعلم، واستثماره بحكمة، والاستعداد للطوارئ قبل وقوعها.

لقد كانت رسالة الدكتوراه التي أنجزتها في جامعة فورتسبورغ عام 2002 محاولة لبناء هذا الأساس العلمي، واليوم يبدو أن الوقت قد حان لإعادة فتح هذا الملف، ليس بوصفه بحثاً أكاديمياً، وإنما باعتباره قضية تتعلق بالأمن الوطني، واستدامة التنمية، ومستقبل مدينة العقبة وسكانها.
المرجع العلمي الرئيس:
Al Farajat, M. (2002). Hydrogeo-Eco-Systems in Aqaba/Jordan – Natural Settings, Impacts of Land Use, Spatial Vulnerability to Pollution and Sustainable Management. Doctoral Dissertation, Julius-Maximilians-University of Würzburg, Germany. 
thesisphd.pdf