بقلم : أ.د. محمد الفرجات
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء الفكر، وصانعة الثقافة، وموجهة السلوك. وما تكثر مفرداته في لغة أمة، يكثر حضوره في وعيها وممارساتها. ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة الاعتبار لفعل عربي أصيل في بنيته، عظيم في دلالته، هو "أمثل"؛ ليصبح فعلاً متداولاً في الخطاب العلمي والإداري والتقني واليومي، بوصفه المقابل العربي الدقيق لمفهوم Optimization (الوصول لأفضل أداء... أو الحالة المثالية)، والذي أصبح من أكثر المفاهيم حضوراً في علوم الإدارة والهندسة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي.
إن كلمة "تحسين" تؤدي جزءاً من المعنى، لكنها لا تعبر دائماً عن الغاية الكاملة. فالتحسين قد يعني جعل الشيء أفضل مما كان، بينما الإمثال يعني الوصول إلى الحالة المثلى التي تحقق أعلى كفاءة وأفضل أداء وأعظم منفعة ضمن الإمكانات والقيود المتاحة. وهذا فرق جوهري بين التطوير التدريجي وبين البحث عن الحل الأمثل.
ولو أصبح الفعل optimize "أمثل... بمعنى: حقق أفضل أداء،،، أو صل الحالة المثالية" جزءاً من الثقافة العربية اليومية، لتغيرت طريقة التفكير في كثير من المجالات. فبدلاً من أن نقول: "حسن إجراءات العمل"، يمكن أن نقول: "أمثل إجراءات العمل"؛ أي اجعلها تحقق أفضل إنتاجية بأقل وقت وجهد وكلفة. وبدلاً من "تحسين استهلاك المياه"، نقول: "أمثل استهلاك المياه"، أي أوصله إلى المستوى الأمثل الذي يوازن بين الحاجة والاستدامة. وكذلك في التعليم والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والصحة والإدارة.
إن الدول المتقدمة لم تصل إلى مستوياتها الحالية لأنها اكتفت بالتحسين، وإنما لأنها جعلت الأمثلية فلسفةً في التفكير والإدارة. فكل مشروع، وكل مصنع، وكل خوارزمية، وكل نظام حكومي يخضع باستمرار لعمليات الاستمثال؛ أي البحث عن أفضل البدائل الممكنة. ومن هنا فإن ترسيخ هذا المفهوم في اللغة العربية ليس ترفاً لغوياً، بل هو خطوة نحو بناء ثقافة إنتاجية جديدة.
وليس من قبيل المصادفة أن تعتمد علوم بحوث العمليات والهندسة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي على مفهوم Optimization بوصفه محوراً رئيسياً في تصميم النظم واتخاذ القرار. ومن المؤسف أن يظل هذا المفهوم في العربية محصوراً غالباً في كلمة "تحسين"، بينما تمتلك العربية القدرة الاشتقاقية على إنتاج فعل واضح ومختصر هو "أمثل"، واسم مصدر هو "الإمثال" أو "الاستمثال"، واسم فاعل هو "المُمثِّل" بالمعنى الاصطلاحي، واسم مفعول هو "مُمثَّل"، بما يفتح المجال أمام بناء منظومة لغوية متكاملة حول هذا المفهوم.
إن نشر هذا الفعل في الجامعات، ووسائل الإعلام، والمدارس، والمؤسسات الحكومية، والشركات، سيغرس في الأجيال ثقافة جديدة تقوم على السؤال الدائم: كيف نُمثل هذا العمل؟ وليس فقط: كيف نحسنه؟ فالأمة التي تبحث عن الأمثل لا ترضى بالحلول المتوسطة، ولا تكتفي بالإنجاز المقبول، بل تسعى دائماً إلى أعلى درجات الكفاءة والجودة والإبداع.
واليوم، ومع التحولات العالمية المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والاستدامة، أصبحت الحاجة ملحة إلى تحديث معجمنا العربي بما يعكس روح العصر دون التفريط بأصالة اللغة. وإحياء فعل "أمثل" يمثل نموذجاً لهذا التحديث؛ فهو فعل عربي في بنيته، حديث في تطبيقاته، وعميق في أثره الفكري والحضاري.
إن الأمم تتقدم حين تتطور مفاهيمها قبل أن تتطور أدواتها، واللغة هي الحاضنة الأولى للمفاهيم. لذلك فإن تعميم استخدام فعل "أمثل" ليس مجرد اقتراح لغوي، بل هو دعوة لبناء ثقافة عربية جديدة تؤمن بأن الابتكار يبدأ من الكلمة، وأن الكفاءة تبدأ من الفكرة، وأن الوصول إلى المستقبل يبدأ بالسعي الدائم نحو الأمثل.
أمثلة واقعية على استعمال الفعل "أمثل":
ولإدراك أهمية هذا الفعل، يكفي أن نتأمل حجم حضوره الضمني في حياتنا اليومية، وإن كنا لا نسميه باسمه. فلو اعتمدنا فعل "أمثل" في العربية لأصبح من الطبيعي أن نقول:
- أمثل تشغيل محطات تحلية المياه؛ أي تحقيق أعلى إنتاج للمياه بأقل استهلاك للطاقة وأقل كلفة تشغيلية.
- أمثل إدارة المياه الجوفية؛ بحيث تُحدد كميات الضخ المثلى التي تمنع استنزاف الخزانات وتحافظ على استدامتها.
- أمثل توزيع الكهرباء؛ لتقليل الفاقد وتحقيق أعلى كفاءة للشبكات.
- أمثل حركة المرور؛ عبر الذكاء الاصطناعي الذي يضبط الإشارات ويقلل زمن الازدحام واستهلاك الوقود.
- أمثل مسار مركبة التوصيل؛ بحيث تقطع أقل مسافة وتستهلك أقل وقود وتخدم أكبر عدد من العملاء.
- أمثل جدول الرحلات الجوية؛ لتحقيق أعلى استغلال للطائرات وتقليل التأخير.
- أمثل إنتاج المصنع؛
- برفع الإنتاجية مع تقليل الهدر في المواد الخام والطاقة والوقت.
- أمثل سلسلة الإمداد؛
- لتقليل المخزون غير الضروري وضمان وصول المنتجات في الوقت المناسب.
- أمثل استهلاك الطاقة في المباني؛ باستخدام أنظمة ذكية تتحكم بالتكييف والإضاءة وفق الحاجة الفعلية.
- أمثل الخوارزمية البرمجية؛ لتعمل بسرعة أكبر وتستهلك ذاكرة أقل، وهو من أكثر الاستخدامات شيوعاً في علوم الحاسوب.
- أمثل نموذج الذكاء الاصطناعي؛ لرفع دقة التنبؤ وتقليل زمن التدريب واستهلاك الموارد الحاسوبية.
- أمثل الجرعة الدوائية؛ للوصول إلى أعلى فاعلية علاجية مع أقل آثار جانبية.
- أمثل الخطة الزراعية؛ باختيار المحاصيل التي تحقق أعلى عائد اقتصادي مع أقل استهلاك للمياه.
- أمثل الاستثمار؛ بتوزيع رأس المال لتحقيق أفضل عائد عند مستوى مخاطرة محدد.
- أمثل الإنفاق الحكومي؛ بتوجيه الموارد نحو البرامج الأكثر أثراً على التنمية.
- أمثل إدارة النفايات؛ لتعظيم إعادة التدوير وتقليل الكلفة والأثر البيئي.
- أمثل تجربة السائح؛ بتنظيم مسارات الزيارة والخدمات بما يرفع الرضا ويزيد العائد الاقتصادي.
- أمثل العملية التعليمية؛ بتطوير المناهج وأساليب التدريس لتحقيق أفضل نواتج تعلم بأفضل استثمار للوقت والموارد.
إن هذه الأمثلة تؤكد أن مفهوم Optimize حاضر بالفعل في كل تفاصيل الاقتصاد والهندسة والطب والإدارة والذكاء الاصطناعي والعلوم البيئية، لكن اللغة العربية لا تزال تفتقر إلى شيوع فعل واحد مختصر يعبر عنه بدقة. واعتماد الفعل "أمثل" سيمنح اللغة أداة قوية لنقل هذا المفهوم العالمي، كما سيغرس في الأذهان ثقافة البحث عن الحل الأمثل بدلاً من الاكتفاء بمجرد التحسين.






