بقلم : الوزير مصطفى الرواشدة
إنّه لمما يُفرح ويُثلج الصدر أن يحظى مهرجان جرش للثقافة والفنون بكلّ هذه المحبّة والمشاركة من الدول الشقيقة والصديقة، وحين نسمع منهم حجم الإشادة والإعجاب بالنموذج المهرجاني الأردني، الذي يجمع ما بين الثقافة والفكر والأدب والفنون، فإنّ ذلك يزيدنا إصرارًا على المضيّ في تقديم المُنتج الإبداعي الأردني؛ إيمانًا منّا بأنّ هذا المهرجان الذي بلغ أربعين عامًاـ ويستمرّ إن شاء الله- إنّما هو عنوانٌ أردنيٌّ يجب المحافظة عليه، والاعتزاز بدلالاته الوطنيّة، وازدهار الثقافة والفنون في بلدنا الأردنّ، بلد الأمن والأمان، الجامع دومًا لكلّ الأصدقاء والأشقّاء، انطلاقًا من رسالته الحضاريّة التي يحملها جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه، وتستلهمها وزارة الثقافة وكلّ الجهات والوزارات الشريكة في هذا المجال.
وفي المهرجانات الكبيرة تذهب الدّول إلى إظهار مكنونها الثقافي، بكلّ ما تحمله الثقافة من معنى وحقول ومجالات، وأوّلها فكر الإنسان ووعيه بمكتسبات وطنه وحرصه عليها، وتعزيز الصورة الزاهية التي تكوّنت عنه لدى الأشقّاء والأصدقاء، خصوصًا وقد نهض مهرجان جرش وتأسّس على قيم وطنيّة أخذت مساحتها بالازدياد، وكان دائمًا القوّة الثقافيّة الناعمة التي رافقت كلّ طموحات بلدنا وتحدّياته ونجاحه في بناء نموذجه الوطني والحضاري، إذ ظلّت الثقافة والفنون رديفًا لرؤية قيادته الهاشميّة الحكيمة.
الثقافة التي يؤمن بها شعبٌ مضيافٌ ومعطاءٌ يتقدم فكرهُ ووعيهُ مُصافحًا ضيوفه، ليكون عنوانًا أردنيًّا لكلّ رُقيٍّ إنسانيٍّ، في عالمٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى صناعة الأمل وتظافُر الجهود والاستبشار بالغد الأجمل المشرق؛ وهل أجملُ من التعبير الثقافيّ الذي يحمل رسالة الأردنّ وإضاءاته في سياق المهرجان، على أنّ هناك حتمًا مساحاتٍ يمكن استثمارها للفرح والاستماع لصوت الوجدان العالمي الذي يتألّق على مسارح جرش وبين أعمدتها المتنافذة على كلّ ذلك التاريخ؟!
أعمدة جرش، التي استمدّت نورها السّرمديّ من أنفاس الإبداع الإنسانيّ في الأردنّ الذي نكتب سرديّته اليوم، ونحن تملؤنا الثقة والاعتزاز بحادي الركب جلالة الملك عبدالله الثاني، ووليّ عهده الأمين سموّ الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حفظهما الله؛ فمثلما كان مهرجان جرش مثالًا في إشعاعه الثقافي والحضاريّ، كانت السرديّة الأردنيّة أيضًا مثالًا ومصدر إعجابٍ بالتجربة الأردنيّة في اتصال الماضي العريق بالحاضر القويّ بالمستقبل الواثق، بإذن الله.
اليوم- وأنا متأكّدٌ أنّنا جميعًا في أردننا العزيز، على قلب مثقفٍ واحد حريصٍ على صورة الأردنّ الزاهية- أجدُ أنّ المهرجان ليس حفلة غناء تنقضي سريعًا بعد انتهاء وقتها، أو ندوةً تُقام لمجرّد إقامة الندوة، أو أمسيةً شعريّةً شبه مقررة يقرأ فيها الشعراء، أو مسرحيّةً يعود أبطالها أدراجهم سريعًا بعد أدائها، أو لوحاتٍ ورسوماتٍ تُعرض على الجدارن ليس إلّا،..بل هو "الأثر" الذي يتركه كلّ ذلك في الحضور المتفاعل مع الرسالة الثقافيّة؛ حيث كانت الرؤية في استثمار كامل المساحة المهرجانيّة والتلقائيّة الرائعة للجمهور.
لقد كان البرنامج الثقافيّ مُعبّرًا قويًّا عن رغبة الهيئات الثقافيّة بإدامة الإبداع ومعاينة الموضوعات المهمّة؛ إذ كان هذا البرنامج حصيلة لقاءات مكثّفة لنا، كمهرجان ووزارة ثقافة، مع هذه الهيئات التي نحرص على شراكتها دائمًا، كما في فعاليات رابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد الكتاب، ورابطة الفنانين التشكيليين، وكليات الفنون في الجامعات الأردنيّة، وقد تمثّل ذلك في فعاليات تتواصل في حراك ثقافي وفني متميّز، أذكر منها ملتقى السرد العربي، وجائزة جمال أبو حمدان، والأمسيات الشعريّة للشعراء الأردنيين والعرب، وندوة السرديّة الأردنيّة التي تخصصت في قراءة سرديّة مدينة جرش، وكذلك ليلة الشعر النبطي، وملتقى جماليات المكان الأردني، وملتقى ذاكرة المكان في الأدب الأردني، الذي توزّع على عدد من المحافظات، إضافةً إلى الأمسيات القصصية والنقدية، وملتقى النحت الدولي وسمبوزيوم الفن التشكيلي، وبرنامج بشاير جرش، وكذلك البرنامج الثقافي لمجتمع جرش المحلي.
أمّا نقابة الفنانين الأردنيين، فكانت شريكًا فاعلًا في البرنامج الفني للمهرجان، من خلال الفنانين الأردنيين المشاركين، وإعطائهم الأولوية الكبيرة في هذا المهرجان، كما كان مسرح المونودراما حاضرًا في فعاليات المهرجان لهذا العام،.. والقائمة تطول لمفردات تلبّي ذائقة الجمهور وتقدّم الصورة المثلى عن الإبداع الأردني خلال المهرجان.
إنّ الحضور الواضح لتراث البلدان العربية والأجنبيّة في المهرجان، في "جناح السفارات"، يؤكّد كم هي رائعة الثقافة والتراث والفلكلور، حين يجتمع كلّ هذا المزيج بالتجاور على أرض المهرجان، وقس على ذلك أجنحة التراث والمأكولات الشعبية الأردنية الجرشيّة، بما يشكّل تجوالًا وتوزيعًا لجميع الاهتمامات العائليّة، ويؤكّد أيضًا كيف يكون المنتج الثقافي والحرفي مصدرًا من مصادر الدخل والتمكين والإبداع في مفهوم اقتصاديات الثقافة، أو اقتصاديات الإبداع.
على المستوى الشخصي، يملؤني الفخر والاعتزاز بالوعي الثقافي الذي تميّز به المجتمع الأردني، كما أجد أنّنا أقوى بالثقافة والفنّ والفكر والعلم والمعرفة، فهي رأسمالنا وهي مصدر جذبٍ سياحيٍّ حين تتعالق الثقافة مع المكان الأردنيّ، فتزيده توهّجًا وفضاءً لا ينتهي للزوار العرب والأجانب، وهم يطلقون خيالهم على اتساعه، مستعرضين الحضارات والحقب التي مرّت على بلدنا الضارب في جذور التاريخ، حين تمتدّ الأرض الأردنيّة إلى 2 ونصف مليون سنة كعمر زمني، ليكون تأسيس الإمارة، فمرحلة الاستقلال، فالبناء، فمرور أكثر من مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية، عاملًا محفّزًا للاستمرار في اقتراح الأفكار التي تتخلل المجتمع، وتشدّ من عزيمة المثقفين وتجعل من الكتاب والثقافة والفكر والفن عنوانًا نُعرف به ويميّزنا في كلّ بلدٍ نزوره أو نذهب إليه.
خريطة رائعة تضيء على كلّ فعالياتنا الثقافيّة والفنيّة، فهاهو المؤتمر الدولي الثالث لجمعية المكتبات والمعلومات الأردنيّة يتناول موضوع الابتكار والتنمية المستدامة، وها هو معرض عمّان الدولي للكتاب الذي تدعمه وزارة الثقافة بالتعاون مع اتحاد الناشرين الأردنيين، وها هي سرديّتنا الأردنيّة تُكتب بعقولنا وأفئدتنا، وها هي محافظاتنا جميعًا لا تخلو بلدةٌ فيها أو قرية أو قصبة من نشاطٍ ثقافي،.. وكلّ ذلك ما كان ليتمّ لولا رعاية سيّدي صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني للثقافة، حفظه الله ورعاه.
تحيةً لكلّ المثقفين والفنانين وروّاد الفكر والكلمة، والإعلاميين، وأهلنا وعائلاتنا وأبنائنا، وأهلًا وسهلًا بضيوفنا في مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، مهرجان الأردنّ الكبير، والشاهد على عمق الوجود الإنسانيّ على هذه الأرض.






