×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف

العساف يكتب : ظاهرة الشيوخ... بين الإرث العشائري وفوضى الادعاء

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : م. ابراهيم العساف - عضو المجلس المركزي/ حزب الاصلاح  

شهدت بلاد الشام، ومنها الأردن، في أواخر العهد العثماني مرحلة اتسمت بضعف سلطة الولاة وتراجع تطبيق كثير من الأحكام والأنظمة، الأمر الذي دفع القبائل إلى تنظيم شؤونها الداخلية بنفسها. فبرز نظام العشيرة بوصفه إطارًا يحفظ الأمن ويحل النزاعات، وأصبحت كل قبيلة تختار شيخًا يتولى قيادتها وإدارة شؤونها.
ولم يكن اختيار الشيخ يتم اعتباطًا، بل كان ثمرة إجماع وجهاء القبيلة وأهل الرأي فيها، بناءً على ما يتحلى به من الحكمة، والشجاعة، والكرم، وحسن السيرة، والقدرة على الإصلاح بين الناس، والدفاع عن مصالح القبيلة. وكان إلى جانبه "العقيد" الذي يقود الفرسان ويتولى المهام العسكرية، بينما كان شاعر القبيلة يمثل لسانها الإعلامي والمدافع عن مكانتها بين القبائل.
كما اعتمدت القبائل منظومة من الأعراف العشائرية التي نظمت العلاقات بين أفرادها، ومنها القضاء العشائري الذي يختاره أطراف النزاع للفصل في الخصومات، وتطبيق أعراف مثل الجلوة العشائرية والبشعة وغيرها من الأعراف التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وذلك في ظل غياب الدولة المركزية القوية.
ومع قيام الدول العربية الحديثة بعد سقوط الخلافة العثمانية، تغيرت طبيعة دور الشيخ، وأصبح هناك نوعان معروفان من شيوخ العشائر؛ الأول هم أبناء الشيوخ الذين ورثوا المشيخة واستمروا على نهج آبائهم في خدمة عشائرهم، والثاني هم من تم اعتمادهم رسميًا بعد حصولهم على تأييد غالبية أبناء عشائرهم، ليكونوا حلقة وصل بين الدولة والعشيرة، ويسهموا في احتواء الخلافات والوصول إلى الصلح، بما يدعم عمل القضاء النظامي ويحافظ على السلم المجتمعي.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بروز ظاهرة جديدة تتمثل في أشخاص يطلقون على أنفسهم لقب "شيخ"، دون أن يكون لديهم تفويض من عشائرهم أو اعتراف اجتماعي حقيقي. ويستند بعضهم إلى المظاهر الخارجية كالثراء، والسيارات الفارهة، والمظاهر الشخصية، والتنقل بين المناسبات الاجتماعية، في محاولة لفرض أنفسهم باعتبارهم ممثلين للعشائر، رغم أنهم لا يحملون هذا التفويض.
إن هذه الظاهرة أوجدت حالة من الالتباس، فلم يعد كثير من الناس يميزون بين الشيخ الحقيقي، والمختار، والشخص الذي منح نفسه هذا اللقب دون سند عشائري أو قانوني، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على مكانة المشيخة ودورها التاريخي في الإصلاح وحل النزاعات.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تنظيم هذا الملف بصورة تحفظ مكانة العشيرة وتحمي المجتمع من الادعاءات غير المبررة. ويمكن أن يتم ذلك من خلال آلية واضحة تعتمد على تزكية غالبية أبناء العشيرة أو وجهائها لمن يمثلهم، ثم اعتماد هذا الاختيار وفق إجراءات رسمية، بما يضمن أن يكون من يحمل لقب "شيخ عشيرة" ممثلًا حقيقيًا لأبناء عشيرته، وقادرًا على أداء دوره الاجتماعي والوطني.
إن الحفاظ على مكانة المشيخة العشائرية مسؤولية مشتركة، فهي إرث اجتماعي له مكانته في تاريخ المجتمع الأردني، ويستحق أن يبقى قائمًا على الكفاءة، والثقة، والإجماع، بعيدًا عن الادعاء أو المظاهر، حتى تبقى العشيرة رافدًا للوحدة الوطنية وسيادة القانون، لا سببًا للفوضى أو الالتباس.