بقلم : م. ابراهيم العساف - عضو المجلس المركزي/ حزب الاصلاح
بعد أكثر من مئة عام على تأسيس الدولة الأردنية، وبعد عقود طويلة من البناء والتضحيات والإنجازات، ما زال البعض يتعامل مع الانتماء للوطن وكأنه قضية قابلة للنقاش أو المساومة أو المراجعة. وكأن الأردن، الذي احتضن أبناءه وحمى أرضه وصان كرامتهم في أحلك الظروف، مطالب كل يوم بإثبات أحقيته بولائهم وانتمائهم.
مئة عام والأردن يواجه التحديات والمؤامرات والأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، لكنه بقي واقفاً بثبات بفضل الله أولاً، ثم بفضل قيادته الهاشمية وشعبه الوفي وجيشه العربي المصطفوي وأجهزته الأمنية الساهرة على أمن الوطن واستقراره.
في عالم تتساقط فيه الدول وتتفكك المجتمعات، بقي الأردن واحة أمن واستقرار، وملاذاً لكل من ضاقت به الأوطان. فتح أبوابه للأشقاء، وتقاسم معهم لقمة العيش، وحمل أعباء تفوق قدراته وإمكاناته، دون أن يتخلى عن مبادئه أو دوره القومي والإنساني.
ومع ذلك، ما زلنا نسمع أصواتاً تشكك أو تتردد أو تضع انتماءها على ميزان المصالح الشخصية والمكاسب الآنية. وهنا لا بد من القول بوضوح: الانتماء للوطن ليس وجهة نظر، ولا موقفاً موسمياً، ولا بطاقة تُستخدم عند الحاجة وتُهمل عند أول خلاف أو عثرة. الانتماء عهدٌ والتزام ومسؤولية، يظهر في الدفاع عن الوطن، وفي المحافظة على مؤسساته، وفي احترام القانون، وفي العمل بإخلاص من أجل مستقبله.
وإذا كان من حق الوطن على أبنائه جميعاً أن يثبتوا انتماءهم بالفعل لا بالقول، فإن المسؤولية تكون أكبر على أولئك الذين تنعموا بخيرات الدولة، وتقلدوا المناصب الرفيعة، وجلسوا على كراسي المسؤولية لعشرات السنين، واستفادوا من الامتيازات والنفوذ والمكانة التي وفرها لهم الوطن. فليس من الوفاء أن يقضي الإنسان عمره متنقلاً بين المواقع والمناصب، ثم يتحول عند أول خلاف أو تراجع في المصالح إلى ناقد جاحد أو مشكك أو متردد في انتمائه. فالوطن الذي منح الفرصة يستحق الوفاء، والدولة التي فتحت أبوابها لأبنائها تستحق منهم الدفاع عنها لا التنكر لها.
إن الانتماء الصادق يُقاس في المواقف لا في الشعارات، ويظهر عند الشدائد لا عند توزيع المكاسب. أما الذين أمضوا سنوات طويلة في مواقع القرار، ثم اكتشفوا فجأة عيوب الوطن بعد مغادرتهم مناصبهم، فإنهم مطالبون أولاً بمراجعة أدوارهم ومسؤولياتهم قبل توجيه أصابع الاتهام للآخرين. فالأردن أكبر من الأشخاص والمناصب، وأبقى من المصالح العابرة، وسيبقى الوطن الذي يحتضن أبناءه المخلصين، ويكشف معادن الرجال عند المحن والاختبارات.
إن من أخطر ما تواجهه الأوطان ليس الفقر ولا قلة الموارد، بل ضعف الشعور بالانتماء، ومحاولات التشكيك بالهوية الوطنية، وتقديم الولاءات الضيقة على مصلحة الوطن العليا. فحين يضعف الانتماء، تتراجع المسؤولية، وتزداد الفوضى، وتجد الفتن طريقها إلى النفوس قبل المجتمعات.
لقد قدّم الأردنيون عبر تاريخهم نماذج خالدة في الوفاء للوطن والقيادة، وسطروا بدمائهم وتضحياتهم صفحات مشرقة في الدفاع عن الأردن والأمة. ومن حق هؤلاء الأبطال على الأجيال اللاحقة أن تصون الإرث الذي تركوه، وأن تحافظ على الوطن الذي دفعوا من أجله أثماناً غالية.
وفي ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، يواصل الأردن مسيرته بثقة وإصرار نحو المستقبل، رغم التحديات الداخلية والإقليمية. وهذه المسيرة تحتاج إلى مواطن يؤمن بوطنه، لا إلى شخص ما زال يشاور نفسه بالانتماء إليه.
فبعد مئة عام من الدولة والإنجاز، لم يعد مقبولاً أن يبقى البعض واقفاً في منطقة الرماد. فالأوطان لا تنتظر المترددين، والتاريخ لا يذكر إلا أصحاب المواقف. أما الأردن، فقد أثبت أنه باقٍ وقويٌ بأبنائه المخلصين، وسيبقى الراية التي نلتف حولها جميعاً، والبيت الذي يجمعنا، والهوية التي نفتخر بها جيلاً بعد جيل.
بعد مئة عام من عمر الدولة الأردنية، لم يعد الانتماء سؤالاً يُطرح، بل واجباً يُمارس، ووفاءً يُترجم إلى عمل وتضحية وإخلاص للوطن وقيادته الهاشمية الحكيمة. الأردن يستحق من أبنائه أكثر من الكلمات، ويستحق أن يكون فوق كل اعتبار، وأن يبقى الانتماء له شرفاً لا يُساوَم عليه، وواجباً لا يقبل التردد أو المراجعة.
اسم الكاتب : م. ابراهيم العساف
العساف يكتب : مئة عام... وما زال هناك من يشاور نفسه بالانتماء!
الأحد - pm 06:44 | 2026-06-07
22 الإعلامي -






