بقلم : هنادي خضر
في غمره التحول الرقمي المتسارع الذي يجتاح تفاصيل حياتنا اليومية يقف طفل اليوم أمام شاشة صامتة تعزله عن محيطه الحيوي ضمن تجربة غير محسوبة العواقب تمس أعماق تكوينه الإنساني والعصبي
إن ما تشهده طفولة اليوم ليس مجرد ترفيه عابر أو وسيلة لقتل الوقت بل هو إعادة تشكيل قسرية لأدمغة غضّة لم تكتمل ملامحها بعد
(كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة JAMA Pediatrics العلمية عن معطيات بيولوجية عصبية تشير إلى خطورة التعرض المفرط للشاشات في سن ما قبل المدرسة واستنادا إلى تقنيات التصوير العصبي المتقدمة DTI أظهرت النتائج أن تجاوز الحدود التي توصي بها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ينعكس سلبا على سلامة المادة البيضاء في الدماغ وهي الألياف المسؤولة عن نقل الإشارات والمعلومات بين الأنسجة المختلفة)
تتجلى هذه التأثيرات البنيوية في عدة جوانب رئيسية
تراجع السلامة البنيوية يتأثر التنظيم الدقيق لمسارات المادة البيضاء لا سيما في النصف الأيسر من الدماغ المختص باللغة والتفكير
تباطؤ النقل العصبي ينخفض مستوى تكوين غلاف الميالين وهو المادة العازلة التي تضمن سرعة تدفق البيانات بين الخلايا العصبية
تأثر المسارات المعرفية تطال التغيرات الحزم العصبية الحيوية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية والقرائية الناشئة
ولم تتوقف هذه المؤشرات عند حدود المادة البيضاء والتشريح العصبي بل امتدت لتنعكس بوضوح على الأداء المعرفي والسلوكي للأطفال
انخفاض الحصيلة اللغوية تراجع ملحوظ في اختبارات المفردات التعبيرية نتيجة قلة التفاعل اللفظي المباشر
بطء الاستجابة المعرفية انخفاض الكفاءة في اختبارات التسمية السريعة للأشياء مما يشير إلى تعثر استرجاع المعلومات من الذاكرة
تأخر الجاهزية القرائية ضعف الاستعداد المدرسي ومهارات القراءة الأولى التي تبنى في السنوات الأولى
إن القضية في جوهرها تتجاوز مجرد تأثير الضوء الأزرق إنها تكمن في المساحة الزمانية والإنسانية التي تلتهمها الشاشة من رصيد الطفل ففي كل ساعة يقضيها الصغير أمام شاشة صامتة يحرم من حوار دافئ مع والديه ومن حكاية تحكى ومن تفاعل يغذي وجدانه وفكره فالنمو العصبي السليم يقوم على قاعدة التواصل البشري الحي حيث تتشابك الخلايا العصبية وتنمو مع كل تجربة إنسانية حقيقية
إن حماية البناء المعرفي لأطفالنا في هذه المرحلة العمرية المبكرة تعد مسؤولية تربوية ووطنية يتطلب الأمر وعيا حازما يعيد تقييم المحتوى والوقت المخصص لهذه الوسائل ويؤكد أهمية المشاركة والتفاعل الأسري لتبقى الطفولة مساحة نقية للنمو والتفكير السليم بعيدا عن سطوة الشاشات






