×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : هيا المساعيد

المساعيد تكتب : ماذا لو لم يأتِ محمد؟ ﷺ

{title}
22 الإعلامي   -

بقلم : هيا المساعيد

في ذكرى مولد سيد الخلق ﷺ، يراودني سؤالٌ لا أملك أمام عظمته إلا أن أتأمل طويلًا: ماذا لو لم يأتِ محمد؟!
ماذا لو لم يحمل إلينا رسالة الإسلام؟!
كيف كان سيكون حالنا، وكيف كانت ستبدو قلوبنا وأرواحنا وحياتنا؟
ربما لا نستطيع أن نتخيل عالمًا لم يصل إليه نور الرسالة، لأننا عرفنا الإيمان من خلالها، وتعلمنا منها معنى أن يكون للإنسان رب يعبده، ودينٌ حق يتبعه، وقيم يهتدي بها، ورسالة تمنح لحياته معنى وغاية.


ولو تخيلنا للحظة عالمًا لم تصل إليه هذه الرسالة، لأدركنا حجم ما كان يمكن أن نفتقده؛
أن نفتقد نور التوحيد الذي يربط القلب بخالقه، والهداية التي تمنح الإنسان ميزانًا يهتدي به في حياته، واليقين الذي يخفف عن الروح ثقلها حين تضيق بها الدنيا.

كنا سنفتقد منهجًا يعلّم الإنسان أن للحق حرمة، وللضعيف حقًا، ولليتيم كرامة، وللجار مكانة، وأن القوة لا تبرر الظلم، وأن الغنى لا يلغي حق الفقير، وأن الإنسان لا يسمو بما يملك، وإنما بما يمنحه من خير.


وكنا سنفتقد سيرة نبي جعل الرحمة خلقا، والعدل مبدأ، والعفو عند المقدرة قوة، والإحسان طريقًا.

سنفتقد ذلك الهدي الذي يعلم الإنسان كيف يكون رحيمًا حين يستطيع أن يقسو، وعادلًا حين تكون له القدرة، وصادقًا حين يكون الصدق صعبًا، وكيف يجعل من علاقته بالله أساسًا لعلاقته بالناس.
وربما كان أقسى ما يمكن أن نفتقده هو ذلك النور الذي يمنح للحياة غايتها، وللابتلاء معناها، وللإنسان جوابًا عن أسئلته الكبرى: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أمضي؟ رسالةٌ لم تترك الإنسان تائهًا أمام هذه الأسئلة، بل منحته الإيمان والغاية والطريق.

 

بل ان رسالته ﷺ  لم تكن دعوة إلى العبادة فحسب، بل كانت دعوة شاملة تمسّ حياة الإنسان في إيمانه وأخلاقه وتعامله مع من حوله.


حيث جاء محمد ﷺ برسالة أعلت شأن الرحمة والعدل، وربطت بين العبادة وحسن الخُلق، وبين الإيمان والعمل، وبين قوة الإنسان وتواضعه.
وعلّمنا أن قيمة الحياة ليست فيما نملكه منها، وإنما فيما نتركه فيها من خير، وأن أجمل ما يمكن أن يحمله المرء في قلبه هو الرحمة، وفي لسانه الصدق، وفي أفعاله الإحسان.


علّمنا أن نكون أقرب إلى الله، وأرحم بالناس، وأصدق مع أنفسنا، وأن يكون لإيماننا أثر يظهر في تفاصيل حياتنا قبل أن يظهر في كلماتنا.


وأرى أن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى مولده هو أن نتوقف قليلًا مع أنفسنا؛ أن نسأل: هل تعكس أفعالنا ما أحبّه منا؟
وهل في أخلاقنا شيء من رحمته؟
وهل في تعاملنا مع الناس شيء من حلمه وصبره وتواضعه؟


ولعل أجمل ما يمكن أن نحمله من رسالته ليس مجرد الكلمات التي نقولها، وإنما ذلك الأثر الذي يتركه هديه فينا؛ أن تهذبنا صلاتنا عليه، وأن تجعلنا سيرته أرحم في قلوبنا، وأصدق في كلماتنا، وأحسن في تعاملنا، وأن نتذكر دائمًا أننا مسؤولون عن حمل رسالته واتباعها.


فما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد قراءة سيرته بقلب يبحث عن طريق يهتدي به في حاضره؛
نقرأ كيف أحبّ، وكيف عفا، وكيف صبر، وكيف عامل الناس، ثم نسأل أنفسنا: ماذا بقي من ذلك كله فينا؟


فسلامُ الله عليه يوم وُلد، ويوم أُرسل رحمةً للعالمين، ويوم انتقل إلى الرفيق الأعلى، ويوم نلقى الله.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.