بقلم : عمر الدريني
هناك فقرٌ تستطيع الأرقام أن تراه، وفقرٌ آخر لا تستطيع الجداول والإحصاءات أن تصل إليه.
الأول يُقاس بالدخل، ونسبة البطالة، وحجم الإنفاق، وتكاليف المعيشة. أما الثاني فيعيش في تفاصيل لا تظهر بسهولة: أم تؤجل شراء دوائها حتى نهاية الشهر، وأب يطفئ هاتفه كي لا يستقبل اتصالًا يطالبه بدين، وطفل يتعلم مبكرًا أن يطلب أقل مما يحتاج حتى لا يثقل على أسرته.
ذلك هو الفقر الذي لا يظهر في الأرقام.
قد تقول الإحصاءات إن أسرة ما فوق خط الفقر بقليل، لكن ماذا يعني ذلك إذا كانت كل زيادة في أسعار الغذاء أو النقل أو التعليم تدفعها خطوة جديدة نحو العجز؟
قد يكون لدى الإنسان منزل يؤويه، لكنه لا يستطيع أن يمنح أبناءه ما يحتاجونه من تعليم وصحة وملابس ونشاطات. وقد يكون لديه راتب، لكنه ينتهي قبل أن ينتهي الشهر.
فالفقر ليس دائمًا غياب المال.
أحيانًا يكون الفقر هو أن يعيش الإنسان حياته كلها وهو يؤجل احتياجاته الأساسية.
يؤجل زيارة الطبيب.
يؤجل إصلاح السيارة.
يؤجل شراء كتاب.
يؤجل ترميم البيت.
يؤجل حلمًا.
ثم يكتشف بعد سنوات أن عمره كله كان سلسلة طويلة من التأجيل.
وهنا ينبغي أن نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها الفقر.
فالفقر الحقيقي لا يسرق من الإنسان المال فقط؛ إنه قد يسرق منه الإحساس بالأمان، والقدرة على التخطيط، والثقة بالمستقبل، وحتى الحق في أن يحلم.
الأخطر من ذلك أن الفقر قد يصبح صامتًا.
هناك أسر لا تطلب المساعدة لأنها تخجل. وهناك آباء وأمهات يفضلون تحمل العجز على أن يمدوا أيديهم للآخرين. وهناك أطفال لا يقولون إنهم يحتاجون شيئًا لأنهم أدركوا أن والديهم لا يستطيعون توفيره.
هؤلاء لا يظهرون دائمًا في قوائم المحتاجين.
إنهم موجودون بيننا، في الأحياء، والمدارس، وأماكن العمل، والمواصلات، والأسواق.
قد يمر أحدهم أمامنا كل يوم دون أن نعرف أنه يخوض معركة لا يملك رفاهية الحديث عنها.
ومن هنا فإن مواجهة الفقر ليست مهمة وزارة واحدة، ولا صندوق واحد، ولا حملة موسمية، إنها مسؤولية مجتمع كامل.
الدولة مطالبة بأن تبني سياسات حماية اجتماعية أكثر دقة وعدالة، وأن توجه الدعم إلى مستحقيه، وأن توسع فرص العمل، وأن تحمي الفئات الأكثر هشاشة من التحولات الاقتصادية التي يمكن أن تدفع بها إلى حافة العوز.
والقطاع الخاص يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في هذه المعركة من خلال توفير فرص عمل عادلة، ودعم المبادرات المجتمعية، والاستثمار في الإنسان بدل الاكتفاء بالمساهمات الموسمية.
أما المجتمع، فدوره لا يقل أهمية.
فالمساعدة ليست دائمًا مالًا.
قد تكون فرصة عمل.
وقد تكون تدريبًا.
وقد تكون كتابًا.
وقد تكون توصيلًا إلى مستشفى.
وقد تكون كلمة تحفظ كرامة إنسان كان على وشك الانكسار.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله مع الفقير هو أن نختصره في صورة محتاج.
فالإنسان الفقير ليس فقير القدرات بالضرورة.
قد يكون مهندسًا لم يجد فرصة، أو خريجًا طال انتظاره، أو عاملًا فقد مصدر رزقه، أو امرأة تعيل أسرة كاملة، أو شابًا يحمل فكرة مشروع لكنه لا يجد رأس المال الأول.
لذلك فإن أفضل مواجهة للفقر ليست في إعطاء الإنسان ما يأكله اليوم فقط، وإنما في منحه القدرة على أن ينتج غداء الغد بكرامته.
التمكين أهم من الإعانة حين يكون التمكين ممكنًا.
والتعليم هو أحد أقوى أبواب الخروج من الفقر.
والعمل الكريم هو أحد أكثر أشكال الحماية الاجتماعية استدامة.
والعدالة في الفرص هي الجسر الذي يمنع الفقر من أن يتحول إلى ميراث ينتقل من جيل إلى آخر.
علينا أن نتذكر أن الطفل الذي ينشأ في بيت يعاني ضيقًا اقتصاديًا لا يحتاج إلى الشفقة بقدر حاجته إلى فرصة عادلة.
وأن الأسرة التي تكافح من أجل دفع فواتيرها لا تريد أن تكون موضوعًا لحملة إعلامية؛ إنها تريد حياة طبيعية لا تضطر فيها إلى الاعتذار عن حاجاتها.
في نهاية المطاف، لا يكفي أن نعرف كم عدد الفقراء.
علينا أن نسأل: كيف يعيشون؟ ماذا فقدوا؟ وما الذي يمنعهم من الخروج من دائرة الحاجة؟
فوراء كل رقم إنسان.
ووراء كل نسبة مئوية بيت.
ووراء كل مؤشر اقتصادي قصة قد لا يسمعها أحد.
ولهذا فإن المجتمع العادل ليس الذي ينجح في تقليل الرقم فقط، بل الذي ينجح في إعادة الإنسان إلى الحياة الطبيعية التي يستحقها.
الفقر الذي لا يظهر في الأرقام هو ذلك الذي يسكن في صمت الإنسان، ويقاس بما اضطر إلى التخلي عنه قبل أن يظهر في أي جدول إحصائي.









