×
آخر الأخبار

اسم الكاتب : نهاية بدور

نهايه بدور تكتب : الأدب أولًا… ثم كل شيء

نهايه بدور تكتب : الأدب أولًا… ثم كل شيء
22 الإعلامي   -

بقلم : نهايه بدري بدور

كان للبيت في ذلك الزمن صوتٌ واحد… صوت أبي حين ينام بعد الغداء.
فنهمس، ونتحاشى حتى خطواتنا، ونتعلّم أن للصمت أيضًا احترامه.

كبرنا ولم تهدّنا العصا، ولم تكسرنا الظروف، ولم تسرقنا الحاضنات عن دِفء الأمهات.
لم نعرف الهاتف في الجيب، ولا الشكوى من ثقل الحقيبة، ولا التذمّر من طول الطريق إلى الفهم.

وقفنا في الصباح صفًّا واحدًا، وأنشدنا النشيد الوطني بصدورٍ مفتوحة.
ولم يكتب لنا أحدٌ واجبًا، ولم يذاكر لنا أحدٌ درسًا… وكنا ننجح، وكنا نفرح، وكنا نكتفي.

كانت أيامنا تفاصيل صغيرة، لكنها كانت لنا.
نجري في الأزقة القديمة بلا خوف، ولا ننتظر مفاجأةً في الطريق.
ننام على السطوح، نتحدث حتى تتعب الكلمات، ونضحك حتى يضيق بنا الليل.
ننظر إلى السماء… نتحدث معًا، ولا نتحدث عن بعضنا.

نلوّح للطائرة ببراءة، ونُحيّي الشرطي بهيبته.
كان للأب هيبة، وللمعلم هيبة، وللعشرة هيبة.
وكنا نحترم سابع الجار، ونتقاسم مع الصديق المصروف والسرّ واللقمة.

وفي تلك الأزقة نفسها… كان لنا شارعٌ قديم.
أزقته الضيقة، وجدران الحجارة، وملعبنا الصغير، ودكان الجار العتيق.
كل شيء فيه قد أفل.
تغيّرت كل ملامحه، حتى الشعور قد تغيّر…
كأنه ودّعنا يوم تركناه وحده،
وصمتت أصواتنا التي كانت تملأ أرجاءه.

سلامٌ لشارعنا القديم،
وسلامٌ لكل تلك الملامح التي غيّبها الزمن.

ذلك جيلٌ تربّى على الأدب قبل العلم، وعلى الأخلاق قبل النجاح.


وما زلنا… نحمل ذلك الجيل في قلوبنا، ونمرّره لمن بعدنا كوصيةٍ صامتة:
الأدب أولًا… ثم كل شيء.