بقلم : نهاية بدور
وجدنا إعلاناً في إحدى المجموعات الاجتماعية على موقع الفيس بوك لفريط زيتون، وكتب تحته: "الدونم بس بنص ساعة". فرحنا جداً بالإعلان، واتصلنا على رقمه الذي قد دونه أسفل الإعلان مع صورته وهو يتمغط" أسفل شجرة زيتون. وكان الحوار كالتالي:
_ مرحباً، كنا قد قرأنا لك إعلاناً بأنك أسرع فريط في المنطقة ويأخذ منك الدونم حوالي نصف ساعة!
_ الفريط (بغرور): أجل.
_ جيد! نملكُ بستاناً صغيراً حوالي مئة شجرة، فكم تحتاجُ من الوقت؟
_ الفريط: ساعة!
وهنا بعد التفاوض على اليوم والمكان والساعة، حدد لنا صباح يوم السبت حيث سيكون هناك في تمام الساعة السادسة صباحاً. وقبل أن ننهي المكالمة وضع لنا بعض الحاجات الضرورية التي يجب أن نحضرها له، وكانت القائمة كالآتي: نت، مشروبات طاقة مختلفة النكهات، دلة قهوة سادة، بعض المكسرات والمقرمشات، ثم وجبة واحدة فقط ومن الضروري أن تكون "كبدة".
فقلتُ له: ماذا عن السردين والتونا بدلاً من الكبدة؟
أنكر واستنكر، لأنه وعلى حد تعبيره أن سر سرعته هي الكبدة!
امتثلنا للأوامر، وجاء الفريط يحملُ مواعينه وبساطه، رد السلام وجلس يجمعُ الحطب ليشعل النار!
_ قلتُ له: ماذا تفعل؟
_ رد: وهل يمكن أن نبدأ دون قهوة الصباح؟
_فقاطعته: ولكنني أحضرتُ لك دلة قهوة سادة على حسب طلبك.
_ فابتسم، وقال: هذه للكيف!
أشعل النار وبدأ يصنع القهوة، ثم بدأ يصور نفسه وطقوس القهوة ويبثُ عبر صفحته الشخصية التي تضم آلاف الفريطة على حد تعبيره.
وبعد الانتهاء فتح حقيبته ووضع حبات من البطاطا فوق النار، لأنه يتبع نظام الطيبات. وهنا قلتُ في نفسي: طيب والكبدة؟
وبعد ذلك قام بفرش الأرض تحت زيتونة رومانية، واقترب منها وهو يمسكُ في يده عصا طويلة وبدأ في الغناء لأحدى زملائه المطربين:
"كوني امرأة خطرة.. كوني القوة كوني النمرة"
التفتت أمي قائلة: عزا، مردغ الشجرة!
وتابع هو الغناء، وكدتُ أشعر أن الشجرة تستجدينا للتدخل.
وبعدها التفت إلينا قائلاً: هذه الشجرة عاجزة، علي تقنيبها، ولكن هذا سيزيدُ من الأجرة.
_ قلتُ لها: دعها، سنقوم نحن بتقنيبها في الربيع!
تابع الغناء، وفي هذه المرة غنى لفيروز وليته لم يفعل، ثم فتح هاتفه وبدأ بإرسال الستريك. وعلى ما أظن بدأت تصله تعليقات، لأنه وضع السبجارة في طرف فمه وبدأ يضحكُ بهستيريا!
انتهت الساعة الأولى ولم تنتهِ الشجرة. هنا تناول حبات البطاطا المشوية وبدأ في التهامها، ناهيك عن التصوير!
وبدأت الجولة الثانية مع الشجرة الثانية التي شعرتُ صدقاً أنها ترتعدُ خوفاً منه، وكان قد وضع لثاماً على وجهه وبدأ يضربُ بأغصانها وكأنه يتفاوض معها أو يخلص ثأراً لأجداده، وما زالت "كوني امرأة خطرة" ترافقُ ضرباته. لملم الزيتون من أسفلها وتمدد تحتها وطلب القهوة السادة، وبدأ وكأنه قد أتم حضور حلقات مسلسل غليص وبدأ يطبقُ الشخصية. وهنا سأل عن الفطور، وأكاد أجزم أنه التهم قدر الكبدة في لحظات!!
وهنا بدأت أمي بالتذمر، وتمتمت بصوت عالٍ: ول علي جابوك!
التفتُ إليها ونظرت نحوها بنظرة جانبية لتصمت، لننتهي من هذا اليوم الذي بدأ بالنمرة ولا ندري كيف سينتهي!!
انتهى من شرب الشاي، وبدأتُ أنا وأمي نفصلُ الأعواد والأوراق عن حبات الزيتون. وهنا شعرنا أن الفريط بدأ يعملُ بصمت، بلا غناء، بلا جلدٍ، بلا تعذيب!!
خيم الصمتُ لساعة، ثم ذهبت أمي لتفقده، وكان قد أخذ قيلولة الظهر!
أيقظته أمي بالعصا، وهنا وقف على قدميه، أشعل النار وبدأ يصنع قهوته الخاصة بنفس الطقوس ونفس الخطوات واللقطات، ثم تناول كيس المكسرات وبدأ يقرمش بصوت أيقظ سلحفاة من سباتها!!
وفجأة لم أرَ إلا أمي وقد تناولت العصا وعقدت حجابها ورفعت ثوبها وبدأت تضربُ بالنار، والتفت إليه وهي تلوح بالعصا تأمره بالخروج من البستان.
وهنا التفت إلي قائلاً: مالها الحجة؟
قلتُ له: لا شيء، أصبحت امرأة نمرة!!!









