×
آخر الأخبار

سلهب تكتب : هل تقودنا التكنولوجيا إلى عصر مظلم جديد؟

سلهب تكتب : هل تقودنا التكنولوجيا إلى عصر مظلم جديد؟
22 الإعلامي   -

بقلم: آلاء سلهب التميمي

تخيّل أن تستيقظ ذات صباح، فتجد هاتفك يعرف ما تفكر فيه تقريباً، ومنصات التواصل تختار لك ما تقرأ، ومحركات البحث تحدد ما يظهر أمام عينيك، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي تقترح عليك الإجابات قبل أن تكتمل أسئلتك.

تبدو هذه الصورة وكأنها انتصار للمعرفة، لكن ماذا لو كانت كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر فهماً للعالم؟

من هذا السؤال المقلق ينطلق الكاتب والفنان البريطاني جيمس برايدل في كتابه «عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل»، الصادر بالإنجليزية عام 2018، والذي نُقل إلى العربية بترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، وصدر ضمن سلسلة «عالم المعرفة» عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في سبتمبر 2022.

يضعنا الكتاب أمام مفارقة العصر الرقمي: كلما ازدادت قدرتنا على جمع البيانات ومعالجتها، ازدادت احتمالات عجزنا عن فهم الأنظمة التي تنتجها وتتحكم في حياتنا.

لا يستخدم برايدل مفهوم «العصر المظلم» للإشارة إلى اختفاء المعرفة أو انقطاع الاتصال بالعالم، بل ليصف حالة أكثر تعقيداً؛ إذ تتراكم المعلومات وتتسع القدرات التقنية، بينما تتراجع قدرة الإنسان على الإحاطة بما يجري حوله.

لقد وعدتنا الثورة الرقمية بعالم أكثر انفتاحاً وشفافية، يستطيع فيه الإنسان الوصول إلى المعرفة بضغطة زر.

غير أن هذا الوعد يصطدم بواقع تتحكم فيه أنظمة شديدة التعقيد، لا يعرف المستخدم العادي كيف تعمل، ولا يفهم دائماً المعايير التي تستند إليها في ترتيب المعلومات أو اتخاذ القرارات.

وهنا تكمن المفارقة: لم تعد المشكلة الأساسية في نقص المعلومات، وإنما في القدرة على تمييز المهم من المضلل، وفهم السياق، والتحقق من المصادر، وإدراك المصالح الكامنة خلف الأنظمة التقنية.

ومن أبرز القضايا التي يثيرها الكتاب الغموض الخوارزمي؛ فحين تقترح منصة اجتماعية محتوى معيناً، أو يحدد نظام آلي ما يستحق الظهور، أو تستخدم مؤسسة تقنية بيانات الأفراد لتقييمهم، فإن القرار قد يبدو موضوعياً ومحايداً، مع أنه نتاج تصميم بشري وبيانات مختارة وافتراضات قابلة للخطأ.

وتزداد خطورة هذه المسألة عندما تتحول الخوارزميات إلى أدوات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وتحديد ما يراه الجمهور، وتوجيه النقاشات السياسية والاجتماعية.

فالمستخدم لا يواجه المعلومات وحدها، بل يواجه أيضاً نظاماً خفياً يختار له أي المعلومات تظهر أولاً، وأيها تتراجع إلى الهامش.

ومن منظور صحفي، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة؛ إذ لم يعد التحقق من الخبر كافياً وحده، بل أصبح ضرورياً فهم البيئة التقنية التي توزع الأخبار، وتمنح بعضها انتشاراً واسعاً، فيما تحجب أخرى عن الجمهور.

وهنا نتساءل هل الذكاء الاصطناعي.. أداة للمعرفة أم وهم بالسيطرة؟

لا تكمن القضية في رفض التكنولوجيا أو إنكار فوائدها، وإنما في نقد الاعتقاد بأن التقدم التقني قادر وحده على حل مشكلات الإنسان.

فالنظام الأكثر سرعة في تحليل البيانات ليس بالضرورة الأكثر حكمة، والإجابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي ليست صحيحة لمجرد أنها صيغت بثقة أو استندت إلى كم هائل من المعلومات.

ويحذر هذا المنظور من الخلط بين القدرة على الحساب والقدرة على الفهم، وبين التنبؤ بالمستقبل والقدرة على التحكم فيه.

فالتقنيات تعمل داخل سياقات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وقد تعيد إنتاج التحيزات القائمة أو توسع آثارها عندما تُستخدم دون رقابة ومساءلة.

أما القارئ، فإن الدرس العملي هنا هو ألا يتعامل مع الأدوات الرقمية باعتبارها مصادر نهائية للحقيقة، بل وسائل تحتاج إلى التقييم والتحقق والمقارنة.

لماذا يبدو المستقبل أقل وضوحاً؟

يربط برايدل بين التعقيد التقني وتحديات أوسع، تشمل التغير المناخي والرقابة والاعتماد المتزايد على الشبكات والأنظمة الرقمية.

فالمستقبل الذي وُعدنا بأنه سيكون أكثر قابلية للتنبؤ بفضل البيانات قد يصبح أكثر غموضاً، لأن الأنظمة التي تدير حياتنا تتشابك على نحو يصعب استيعابه أو توقع نتائجه كاملة.

وهنا لا تعني «نهاية المستقبل» أن الزمن سيتوقف، بل يمكن فهمها بوصفها تراجعاً في قدرتنا على تصور مستقبل مشترك ومفهوم، أو الثقة بأن التقدم يسير بالضرورة نحو حياة أفضل.

إن التحدي الحقيقي ليس إبطاء الابتكار، بل استعادة القدرة الإنسانية على توجيهه، وربط الكفاءة التقنية بالمسؤولية الأخلاقية والمصلحة العامة.

اقتبس من الكتاب هذه الفقرة: «ليست كثرة المعلومات دليلاً على اتساع المعرفة؛ فقد نمتلك بيانات العالم، بينما نفقد القدرة على فهمه».

تكمن القيمة الحقيقية لكتاب جيمس برايدل في أنه لا يكتفي بتشخيص مخاطر التكنولوجيا، بل يدعونا إلى مراجعة علاقتنا بها، وإعادة الاعتبار إلى التفكير النقدي والسياق الإنساني والمساءلة.

وفي زمن يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي، وتتزايد فيه قدرة الأنظمة الرقمية على التأثير في المعرفة والرأي العام، تبدو رسالة الكتاب أكثر إلحاحاً: لا يكفي أن نعرف كيف نستخدم التكنولوجيا، بل ينبغي أن نفهم كيف تعمل، ولصالح من تعمل، وما الذي قد تخفيه خلف وعودها البراقة.

فالعصر المظلم الجديد لا يبدأ بالضرورة حين تنطفئ الأنوار، وإنما قد يبدأ حين نتوقف عن طرح الأسئلة، ونمنح الآلات حق التفكير نيابة عنا، ثم نخلط بين ما تستطيع حسابه وما نستطيع نحن فهمه.

إن مستقبل المعرفة لا يتوقف على كمية المعلومات التي نمتلكها، بل على قدرتنا على تحويلها إلى فهم، والفهم إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية.