بقلم : نهاية بدري بدور
كنتُ صغيرةً؛ أمسكُ دفتري بإصبعين باردين، وأنتظرُ المعلمةَ لتكتبَ الرقمَ على ورقتي: عشرةٌ، أو تسعةٌ إن ابتسمَ لي الحظُّ. وكنتُ أخرجُ من الحصةِ وأنا أشعرُ بأنَّ رقبتي معلقةٌ بحبلٍ من النجومِ، أتأرجحُ... وأكرهُ الأرقامَ. (أكرهُ الأرقامَ!)
كانت تكتبُ جملةً على السبورةِ، فيبدأ الصخبُ: الأسرعُ تحصلُ على (١)، ثم (٢)، حتى (١٠). وأنا؟ كنتُ أحلُّ حلاً صحيحًا! لكن ببطءٍ؛ فكان نصيبي دائمًا العشرةَ، أو التسعةَ، وكثيرًا ما أبقى بلا رقمٍ.
ثم كرهتُ المادةَ، وكرهتُ المعلمةَ، وكرهتُ السبورةَ، وكرهتُ القلمَ الذي لا يسرعُ، وكرهتُ يدي التي تفكرُ قبل أن تكتبَ. تخيلوا... طفلةٌ تكرهُ يدها!! وتكرهُ الأرقامَ!!
ثم انتهى العامُ، وخرجتِ المعلمةُ من حياتي كما تخرجُ الشرارةُ من جذوةِ النارِ. جاءت أخرى، فيروزيةُ الروحِ، سألتني: "ما اسمُكِ؟" فقلتُ بلغتي المكسرةِ: "ماي نيم إز نهاية." فردتْ مبتسمةً: "نو، يور نيم إز ماي هارت." ومن يومها عاد حبي للغةِ، ورجعتُ أحبُّ يدي، وتوقفتُ عن العدِّ إلى العشرةِ.
ثم جاءت المفارقةُ؛ قبل أيامٍ، كنتُ أتصفحُ كتابَ اللغةِ الإنجليزيةِ لابنةِ جارتي — خدمةً وديةً، لا أكثرُ — فوجدتُ نجومًا: نجمةً، نجمتانِ، ونجومًا تقفزُ على الصفحاتِ كفقاعاتِ صابونٍ بلا طعمٍ. والأهمُّ: خطُّها في تلك المادةِ كان كخطِّ "أم عباس" لجلبِ الحبيبِ، حدَّ أنَّ بعضَ الكلماتِ باتت بلا هويةٍ!
سألتُها: "لماذا النجومُ؟"
قالت ببراءةٍ: "المعلمةُ تعطي خمسَ نجومٍ لمن تنقلُ الإجابةَ من السبورةِ بسرعةٍ، وصاحبةُ أكثرِ النجومِ في آخرِ الأسبوعِ تصبحُ قائدةَ الصفِّ."
وطبعًا... القائدةُ هي الطالبةُ ذاتها السريعةُ التي لربما لا تفهم
ماذا كتبت!
وضحكتُ حتى نزلتْ دموعي، ولمَ الكذبُ؟ لقد بكيتُ من كلِّ قلبي حتى شعرتُ بأنَّ الدموعَ باتت تتشكلُ على صدري كرةَ ثلجٍ. وفتحتُ درجَ الكراكيبِ، ونظرتُ نحو دفتري القديمِ، وقلبته، ورأيتُ الأرقامَ... وهنا ضحكتُ لأني أدركتُ منذ زمنٍ أننا كنا نتنافسُ على أشياءَ لا وزنَ لها؛ لا نجمةٌ، ولا عشرةٌ، ولا تسعةٌ... مجردُ أرقامٍ على ورقٍ. (وكم أكرهُ الأرقامَ!)
فسردتُ لابنةِ جارتي حكايتي. وحدثتها عن الرقمَ "(١٠)" الذي كان يتكرر كنكتةٍ سخيفةٍ، وقلتُ: "كنتُ أحلُّ الجملَ بالشكلِ الصحيحِ، لكني لم أكن سريعةً، فكنتُ آخذُ عشرةً. وبعد سنينَ، فهمتُ أنَّ العشرةَ لم تكن عقابًا... كانت هديةً؛ هديةً أنَّ ربي لم يخلقني مثلَ القائدةِ التي لا وقتَ لديها لتفكرَ."
وأمسكتُ بدفترها، وقلتُ:
_هل يعجبكِ خطُّكِ؟
_هل تستطيعين قراءةَ ما تكتبين؟
فقالت: "لا."
فقلتُ: "إذن؛ لا تهتمي بالنجومِ، اهتمي أن تفهمي، وأن تكتبي بخطٍّ يليقُ بيدِكِ... لأنَّ يدكِ أطهرُ من أن تُساقَ في قطيعِ العجلةِ.
أمسكتُ دفتري القديمَ، وسألتُ نفسي: ما الذي يجعلني أحتفظُ به كلَّ هذه السنينَ؟ ثم وجهتهُ نحو عودِ الثقابِ، وبدأتْ لي النجومُ تسقطُ أرضًا، وفهمتُ أنَّ العشرةَ لم تكن خسارةً، وأنَّ النجمةَ لم تكن قيمةً، وأنَّ السباقَ كلَّه... كان وهمًا.
فبلا نجومٍ، نصبحُ أقمارًا؛ ليس لأننا الأسرعُ، بل لأنه أخيرًا... لم نعد نعدُّ.









