بقلم : الدكتورة فريال حجازي العساف
ابتداءً، لا بد من التعريج على بيان ماذا يعني أن تكون الدولة عضواً في مجلس حقوق الإنسان الأممي؛ فنيل هذه العضوية يحمل دلالات سياسية وحقوقية عميقة، إذ يتجاوز الفوز في هذه الانتخابات مجرد الحصول على المقعد الدولي فحسب بل هو وثيقة اعترافٍ دبلوماسي عالمي بمكانة الدولة وثقلها في ترسيخ منظومة حقوق الانسان وأيضا يعد الحصول على المقعد منح الدولة منصة استراتيجية وصوتاً مؤثراً يتيح لها المشاركة المباشرة في صياغة المعايير الحقوقية العالمية( من اتفاقيات ومواثيق و عهود واعلانات ذات علاقة بحقوق الانسان ) الى جانب إصدار القرارات الدولية الحساسة؛ وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى دور المجلس الذي يضم 47 دولة عضوة تُنتخب لمدة ثلاث سنوات، حيث يمثل المنصة الحكومية الدولية الأعلى لتقييم التزامات الدول ومواجهة الانتهاكات عبر مراقبة الأوضاع الميدانية، وإصدار التوصيات، وتفعيل آليات رئيسية بنيوية مثل "آلية الاستعراض الدوري الشامل" (UPR) التي تُخضع جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتقييم سجلاتها الحقوقية على قدم المساواة، بالإضافة إلى الإجراءات الخاصة واللجان الاستشارية التي ترفد منظومة حقوق الإنسان العالمية بأدوات الرقابة والمساءلة
في هذا السياق ، جاء انتخاب الأردن لعضوية المجلس للفترة (2027–2029) حاصداً تأييداً واسعاً بلغ 171 صوتاً، ليعكس بوضوح اعترافاً دولياً راسخاً بمكانته الدبلوماسية وسياسته الخارجية المتزنة. ودوره المحوري الدولي في ترسيخ معايير حقوق الانسان ويرتكز هذا الاختيار الاستراتيجي على دور المملكة المحوري والثابت في الدفاع عن قضايا حقوق الانسان في منطقة الشرق الأوسط، بالتوازي مع التزاماتها الطوعية المستمرة لتطوير منظومتها التشريعية والحقوقية المحلية. ولا ينحصر هذا المقعد، الممثل لمجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ، في إطار المكتسبات الدبلوماسية التقليدية؛ بل يمنح المملكة منصة أممية بالغة الأهمية لترسيخ مواقفها الثابتة ، وفي مقدمتها الدفاع عن عدالة القضية الفلسطينية وقضايا المنطقة العربية ومجموعة دول اسيا و المحيط الهاي ، ومواجهة سياسات الانتقائية في تطبيق معايير حقوق الانسان في إنفاذ القانون الدولي الإنساني، مما ينقل المملكة حقوقياً من موقع الدول الخاضعة للتقييم إلى شريك فاعل في توجيه وتقييم السياسات الحقوقية الإنسانية العالمية.
يرتبط انتخاب الأردن لعضوية مجلس حقوق الإنسان (2027–2029) برصيد تاريخي من الجهود الموصولة والجهود الدبلوماسية المباشرة التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني على الساحة الدولية. يُمثّل حصول المملكة على 171 صوتاً أممياً انعكاساً لثقة المجتمع الدولي بالرؤية الملكية الحكيمة التي توازن باتزان ومصداقية بين مسار التحديث الحقوقي الداخلي وبين المواقف الثابتة في المحافل العالمية. ويتجلّى هذا الدور في توظيف جلالة الملك لمنصات الأمم المتحدة—ولا سيما خطاباته أمام الجمعية العامة—لإرساء ركائز القانون الدولي، ورفض سياسات الظلم وانتقائية المعايير، مع التشديد الثابت على حماية حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية. إن هذه الدبلوماسية الملكية الثاقبة القائمة على بناء الشراكات، والحوار، والاعتدال منحت المملكة الموثوقية اللازمة لقيادة وتوجيه السياسات الحقوقية الأممية، لتتحول الجهود الملكية إلى القوة الدافعة وراء حشد هذا التأييد الدولي الواسع الذي يضع الأردن اليوم في موقع الشريك الفاعل لصياغة القرارات الحقوقية الدولية، و تتكامل الجهود الدبلوماسية للمملكة مع الحضور الإنساني المؤثر لـ جلالة الملكة رانيا العبدالله على الساحة الدولية ، يُمثل هذا الانتخاب ثمرة لتأثير القوة الناعمة التي تقودها جلالتها من خلال دفاعها المستمر عن حقوق الفئات الأكثر حاجة للحماية لا سيما النساء والأطفال ، فضلاً عن مناصرتها لقضايا اللاجئين وحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط. ويتجلى هذا الدور في توظيفها للمنابر والمنصات العالمية—مثل مقابلاتها الإعلامية المؤثرة وخطاباتها في الفعاليات الدولية رفيعة المستوى المصاحبة لاجتماعات الأمم المتحدة—للتأكيد على شمولية حقوق الإنسان ورفض تطبيق الإنسانية بشكل انتقائي. إن هذا الإرث الحقوقي والإنساني لجلالتها، القائم على تعزيز قيم الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، قد منح الأردن مصداقية إضافية أمام المجتمع الدولي، مما أسهم بشكل ملموس في تعزيز الثقة الدولية وبناء التحالفات الدبلوماسية التي تُرجمت بتصويت 171 دولة لصالح انضمام الأردن إلى المجلس كشريك فاعل وموثوق في قيادة أجندة الحقوق العالمية
وختاماً، فإن الجلوس على مقعد مجلس حقوق الإنسان للفترة (2027–2029) يرتِّب على الأردن حزمة من الالتزامات الحقوقية والمسؤوليات الدبلوماسية حيث تتطلب المرحلة القادمة الموازنة الدقيقة بين مسارين؛ أولهما داخلي يفرض الوفاء بالتعهدات الطوعية التي قُدمت للمجتمع الدولي، والثاني خارجي يكمن في ممارسة دور القيادة والتوجيه داخلمجلس حقوق الانسان ، الذي أرسته الرؤى الملكية في الدفاع عن القضايا العادلة برفض الانتقائية وازدواجية تطبيق المعايير.









