×
آخر الأخبار

مهيرات يكتب : الغش مقابل عدم المطابقة: التمييز القانوني والعلمي في زيوت الزيتون

مهيرات يكتب : الغش مقابل عدم المطابقة: التمييز القانوني والعلمي في زيوت الزيتون
22 الإعلامي   -

بقلم : المهندس الزراعي سامي مهيرات

في مجال زيوت الزيتون، يُعتبر "الغش" و"عدم المطابقة" مفهومين مختلفين جوهرياً. الأول يشير إلى سلوك احتيالي متعمد، يُضيف فيه المنتج مواد غريبة أو يخلطه بزيوت أخرى منخفضة التكلفة لخداع المستهلكين، وهو ما يُشكل جريمة بموجب القانون؛ والثاني يشير إلى انحراف مؤشرات جودة المنتج عن الحدود القياسية بسبب سوء المعالجة أو التخزين، وهو ما يُصنف على أنه عيب في الجودة، ولا يُشكل في حد ذاته جريمة، ولكنه يؤثر على القيمة التجارية.


أولاً: التعريف القانوني والكيميائي للغش

الغش هو سلوك احتيالي متعمد. من الناحية الكيميائية، يتجلى ذلك في إضافة زيوت نباتية أخرى (مثل زيت عباد الشمس وزيت فول الصويا وغيرها) إلى زيت الزيتون، أو إضافة أصباغ كيميائية محظورة ونكهات لتقليد اللون والرائحة الطبيعية لزيت الزيتون. هذا السلوك يُغيّر بشكل أساسي التركيب الجزيئي للمنتج، وينتهك التعريف الأساسي لزيت الزيتون باعتباره "الزيت المستخرج حصرياً من ثمار الزيتون بالطرق الميكانيكية".

من الناحية القانونية، يُشكل الغش جريمة. وفقاً لأحكام قضائية فعّالة في الأردن، فإن بيع زيت زيتون مغشوش يُعتبر "احتيالاً"، وقد يؤدي إلى عقوبة السجن، كما تم في إحدى القضايا الحكم على تاجر بالسجن ثلاث سنوات وغرامة مالية. بالإضافة إلى ذلك، بالنسبة للمنشآت التي تتداول أغذية مغشوشة، يمكن أن تصل الغرامات إلى آلاف الدنانير. تُظهر بيانات الرقابة أن السلطات الأردنية ضبطت في موسم واحد فقط أكثر من 160 برميلاً (تنكة) من زيت الزيتون المغشوش، وتم إتلافها جميعاً.

ثانياً: التعريف العلمي لعدم المطابقة

عدم المطابقة يعني أن المنتج، رغم أنه زيت زيتون أصلي غير مخلوط بزيوت أخرى، إلا أن مؤشرات الجودة المختلفة لا تستوفي معايير مستوى معين. تعتمد هذه المؤشرات على معايير محددة، وأهمها:

الحموضة الحرة (Free Acidity): تُعرّف بـ "زيت الزيتون البكر الممتاز" (Extra Virgin) عندما لا تتجاوز الحموضة 0.8% (معبراً عنها بحمض الأوليك)؛ وعندما تتراوح بين 0.8% و2.0% تُصنف على أنها "زيت زيتون بكر" (Virgin)؛ وعندما تتجاوز 3.3% تُصنف على أنها "زيت زيتون بكر نيّئ" (Lampante)، وهو غير صالح للاستهلاك المباشر ويجب تكريره أو استخدامه في الأغراض الصناعية. ارتفاع الحموضة عادةً ما يكون ناتجاً عن تخمير الثمار بسبب التأخر في العصر، أو استخدام ثمار تالفة أو متعفنة.

قيمة البيروكسيد (Peroxide Value): تعكس درجة الأكسدة الأولية للزيت. الحد القياسي لزيت الزيتون البكر الممتاز هو ≤20 meq O₂/kg. عندما يتعرض الزيت لأشعة الشمس أو درجات حرارة عالية أو تخزين طويل الأمد، ترتفع قيمة البيروكسيد، مما يؤدي إلى ظهور رائحة "التزنخ" (Rancid).

التقييم الحسي (Organoleptic Assessment): يُقيّم بواسطة لجنة تذوق متخصصة. معايير زيت الزيتون البكر الممتاز هي: عدم وجود عيوب (Me=0)، ووجود نكهة الفاكهة (Fruity)>0. تشمل العيوب الشائعة "الحمأة/الطين" الناتج عن تخزين الثمار المكدسة، و"الحامض/المخمر" الناتج عن التخمير اللاهوائي، و"المطبوخ/المحترق" الناتج عن ارتفاع درجة حرارة العصر، وغيرها.

عدم المطابقة لا يُشكل جريمة. إذا لم تُضف أي مواد غريبة، بل كان ذلك بسبب قطف الثمار في وقت متأخر، أو استخدام أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق للنقل مما أدى إلى تخمير الثمار، أو التأخر في العصر، أو تخزين الزيت في عبوات شفافة، فإن النتيجة هي انخفاض درجة الزيت (من ممتاز إلى عادي أو حتى نيّئ). المنتج لا يزال زيت زيتون، لكن قيمته التجارية تنخفض، ويمكن تحويله إلى منتجات صناعية مثل الصابون.

ثالثاً: المخاطر العملية وتوصيات الشراء

في الآونة الأخيرة، تم ضبط بعض التجار وهم يقومون بعملية خلط زيت زيتون مستورد منخفض التكلفة بزيت زيتون بلدي، ثم تسويقه على أنه منتج أردني أصيل. وتُعتبر هذه التصرفات فردية وغير مسؤولة، ولا تمثل قطاع زيت الزيتون الأردني ككل، الذي يضم مزارعين ومعاصر حريصين على الجودة والسمعة. غير أن هذه الممارسات الفردية تسيء إلى سمعة المنتج المحلي وتضر بثقة المستهلك.

توصيات الشراء (بناءً على المعايير العلمية):

1. اطلب تقرير الفحص: اطلب من البائع تقديم نتائج فحص الحموضة وقيمة البيروكسيد من مختبر معتمد.
2. تتبع المصدر: أعطِ الأولوية للشراء المباشر من المزارع أو المعاصر الموثوقة، أو اختيار المنتجات التي تحمل شهادات رقابية رسمية أو أنظمة تتبع (مثل رمز QR).
3. تجنب الأسعار المنخفضة بشكل غير طبيعي: عندما يكون سعر زيت الزيتون أقل بكثير من سعر السوق، يجب الحذر من خطر الغش.

الخلاصة: الغش هو تزوير متعمد للطبيعة الجوهرية للمنتج، ويُعاقب عليه القانون؛ وعدم المطابقة هو انحراف في الجودة بسبب سوء المعالجة، ويؤدي إلى انخفاض الدرجة. التمييز بينهما لا يتعلق فقط بالمسؤولية القانونية، بل هو أيضاً أساس الشراء العقلاني.