×
آخر الأخبار

المهندس احمد عواد يكتب : لا دين للتطرف والإرهاب

المهندس احمد عواد يكتب : لا دين للتطرف والإرهاب
22 الإعلامي   -

بقلم : المهندس أحمد نضال عواد / الباحث في الأمن الوطني والتخطيط الاستراتيجي

ليس ثمة تبرير، ديني أو سياسي أو ظرفي، لإراقة دمٍ آمن في موكب تشييع داخل كنيسة أو أي مكان آخر داخل الدولة، وأي محاولة لإيجاد سياق يخفف من وطأة هذا الفعل هي بذاتها شكل من أشكال التواطؤ معه.

فالإرهاب والتطرف، أياً كان مصدرهما أو الغطاء الذي يتذرّعان به، جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسان قبل أن تكون جريمة ضد طائفة أو دين بعينه، ومن واجب كل عقلٍ وطني أن يدينهما إدانة مطلقة، غير مشروطة وغير قابلة للتأويل.

والحادثة التي وقعت الجمعة، حين أُطلق النار على مشيّعين في كنيسة حمود بالكرك، تطرح أسئلة عميقة حول من يريد كسر عقد المواطنة؟ والجواب أن المستهدف الحقيقي ليس طائفة بعينها، بل الفكرة التي تقوم عليها الدولة الأردنية ذاتها: فكرة أن المواطنة هي أساس الحق والواجب.

وهذه الفكرة ليست شعاراً طارئاً، بل هي ما أرساه جلالة الملك عبداللّه الثاني يحفظه اللّه، في الورقة النقاشية السادسة "سيادة القانون أساس الدولة المدنية"؛ إذ تؤكد الورقة أن الدولة المدنية تقوم على المساواة التامة أمام القانون، وأن الدستور وسيادة القانون،  هما الناظم الجامع للعلاقة بين الدولة ومواطنيها جميعاً دون تمييز.

ولمن يبحث عن غطاءٍ ديني لفعلٍ كهذا، فإن التاريخ الإسلامي ذاته يرد عليه قبل أن يرد عليه القانون. فحين أسّس النبي محمد صلى الله عليه وسلم أول كيانٍ سياسي للمسلمين في المدينة المنورة، لم يبنِه على الإقصاء، بل على وثيقةٍ مكتوبة عُرفت بـ"وثيقة المدينة"، جمعت المهاجرين والأنصار ويهود المدينة في دولة واحدة، كفلت لكل طرفٍ حرية عقيدته وأمنه وممتلكاته، وأقامت التعاون والدفاع المشترك.

وهذا النموذج، الذي يُجمع الباحثون على اعتباره من أقدم الوثائق الدستورية في التاريخ الإنساني، هو الأصل الذي ينتسب إليه أي حديثٍ لاحق عن "دولة مدنية"، لا نقيضه. فمن يستبيح دم غير المسلم في دولةٍ مسلمة، إنما يخالف السابقة النبوية ذاتها قبل أن يخالف أي نص قانوني معاصر.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية في أعقاب هذه الحادثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُخاض أيضاً على منصات التواصل الاجتماعي وفي الحديث اليومي بين الناس. فالشائعة، حين تُتداول دون تثبّت، تتحول إلى امتدادٍ غير مقصود لفعل المعتدي نفسه، لأنها تنجز له ما عجز عن إنجازه بالرصاص: زرع الشك بين مكوّنات الوطن الواحد. لذلك فإن نفي الشائعات وعدم تداول أي معلومة لم تصدر عن مديرية الأمن العام والجهات الأمنية ليس مجرد انضباط إعلامي، بل هو واجب وطني بمعنى الكلمة؛ وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن يكون أداة لتوسيع دائرة التماسك والطمأنينة بين الأردنيين، لا منبراً لإشعال فتنةٍ لم تكن يوماً موجودة في وجدان هذا الشعب.

وأمام هذا الاختبار، لا خيار أمام الأردنيين جميعاً إلا أن يقفوا صفاً واحداً متماسكاً، إلى جانب الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية التي نثق بها دائماً، وتتابع هذه الحادثة ميدانياً بكل حزمٍ ومسؤولية.

حفظ اللّه الأردنّ، قيادةً وجيشاً وشعباً، وأدام عليه الأمن والمنعة والاستقرار والازدهار. وإنّ النجمة السباعية في علم بلادي تستحق منّا جميعاً الأفضل دائماً.