بقلم: عمر الدريني
هناك أشياء يمكن أن نختلف حولها طويلًا، وأن تتعدد بشأنها الآراء والمواقف، لكن أمن الوطن ليس واحدًا منها، فحين يتعلق الأمر بسلامة الناس، وطمأنينة البيوت، وحق الأطفال في أن يناموا دون خوف، يصبح الاختلاف مسؤولية، ويصبح الوعي واجبًا، ويغدو التهاون مع كل ما يهدد المجتمع مخاطرة لا يدفع ثمنها فرد واحد، بل قد تمتد آثارها إلى أسر وأحياء ومدينة بأكملها.
الوطن ليس مساحة جغرافية نعيش فوقها فحسب؛ إنه شبكة الأمان التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعمل ويحلم ويختلف ويعود إلى بيته مطمئنًا، وحين يشعر المواطن بأن أمنه مهدد، فإن ما يتأثر ليس يومه وحده، بل إحساسه العميق بالاستقرار والثقة بالمستقبل، لهذا لا يجوز التعامل مع العبث بأمن الناس باعتباره حدثًا عابرًا، ولا تحويله في المقابل إلى ذريعة لإشاعة الذعر أو إطلاق الأحكام قبل ظهور الحقائق.
في الأردن، لا تنبع قوة المجتمع من غياب التحديات، فليس هناك وطن محصّن من كل خطر، وإنما من قدرته على مواجهتها بوعي وتماسك ومسؤولية، والتاريخ لا يصنعه الذين يرفعون أصواتهم في لحظات الاضطراب فقط، بل الذين يعرفون كيف يحافظون على توازنهم حين تتزاحم الأخبار، وكيف يميزون بين الحقيقة والانفعال، وكيف يقفون إلى جانب وطنهم دون أن يفقدوا احترامهم للقانون والإنسان.
إن مواجهة كل فعل يهدد الأمن والاستقرار لا تبدأ عند وقوع الضرر وحده؛ تبدأ قبل ذلك، من رفض تبرير العنف، ومن عدم التساهل مع التحريض، ومن تربية الأجيال على أن حرية الإنسان لا تعني الاعتداء على الآخرين، وأن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق التخويف أو الإيذاء، كما تبدأ من إدراك أن الكلمة قد تكون جسرًا للتفاهم، وقد تتحول، حين تُستخدم بغير مسؤولية، إلى شرارة تزيد الاحتقان وتدفع الناس إلى مواقف لا تحكمها المعرفة بقدر ما يحكمها الغضب.
لكن الحزم الحقيقي لا يعني أن نترك مشاعرنا تقودنا إلى التسرع، فالدولة التي يحكمها القانون لا تستبدل الأدلة بالظنون، والمجتمع الواعي لا يحاكم الناس بالشائعات، والمواطن المسؤول لا ينشر خبرًا لمجرد أنه يوافق مخاوفه أو يثير اهتمامه، إن ترك تحديد المسؤوليات للجهات المختصة ليس تنازلًا عن حق المجتمع في معرفة الحقيقة، بل هو الطريق الذي يحفظ هذا الحق من التشويه والاستغلال.
ومن هنا، فإن الوقوف صفًا واحدًا لا يعني أن نتشابه في كل آرائنا، ولا أن نتوقف عن النقد أو المطالبة بالتطوير، معناه أن نتفق على المبادئ التي لا يجوز التفريط بها: سلامة الإنسان، وحرمة الاعتداء عليه، واحترام القانون، وصيانة كرامة الأبرياء، ورفض تحويل الحوادث الفردية إلى أحكام جماعية، فالوحدة الوطنية لا تُقاس بمدى صمت الناس، بل بقدرتهم على الاختلاف دون أن يهدموا ما يجمعهم.
وللأسرة والمدرسة والإعلام دور لا يقل أهمية عن أي دور آخر في بناء هذا الوعي، فالطفل الذي يسمع في بيته حديثًا متزنًا يتعلم أن الشجاعة ليست في ترديد كل ما يسمع، وأن الانتماء ليس في الإساءة إلى المختلف، والطالب الذي يتعلم في مدرسته الحوار واحترام القانون يصبح أقدر على مقاومة التحريض، والإعلام الذي يتحقق قبل النشر يحمي المجتمع من أن تتحول الشائعة إلى حقيقة متداولة، ثم إلى خوف يصعب احتواؤه.
أما مؤسسات الدولة، فإن وضوح الإجراءات، والتعامل المسؤول مع الوقائع، وتطبيق القانون بعدالة، كلها عوامل تعزز الثقة وتمنح الناس أسبابًا عملية للطمأنينة، فالثقة لا تُطلب من المجتمع بالكلمات وحدها؛ إنها تُبنى حين يرى المواطن أن الحقوق مصونة، وأن المساءلة تستند إلى الأدلة، وأن أمن الناس وكرامتهم في صدارة الأولويات.
لسنا مطالبين بأن نكون متشابهين كي نحمي وطننا، بل أن نكون أوعى من كل محاولة تدفعنا إلى الانقسام، وأقوى من كل استفزاز يريد أن يحول خلافاتنا إلى خصومة، وأكثر مسؤولية من أن نمنح الشائعة سلطة لا تستحقها.
فالأردن ليس ساحةً للعبث، ولا أمن أبنائه مادةً للمزايدة، ولا وحدته أمرًا يُترك لمزاج اللحظة، إنه وطن يستحق أن نحميه بالقانون والوعي، وأن نساند مؤسساته بمسؤولية، وأن نقف مع المتضررين بصدق، وأن نرفض كل ما يهدد سلامة الإنسان.
فحين يصبح أمن الوطن موضع اختبار، لا تكون البطولة في ارتفاع الصوت، بل في ثبات الموقف؛ أن نحمي الأردن من الخطر، ونحمي مجتمعنا من الفتنة، ونثبت أن وحدتنا أقوى من كل محاولة للعبث بها.









